رسالة إلى المرجع الكبير السيد السيستاني – الدكتور طالب الرماحي

سيدي المرجع الأعلى ، السلام عليكم :
رسالتي هذه بخصوص خطوتكم الكبيرة في تحشيد الأمة لحماية الوطن بعد أن أصبح خطر الإرهاب الوهابي على الأبواب ، وقد سبق وأن أرسلت لكم عدة رسائل تخص المذهب والوطن ، وأنا أعتقد أن أبوتكم تأبى أن تتعامل مع مثقفي الأمة وكوادرها وحاملي همومها بغير التقدير والاحترام ، وأنا واثق من أن رسالتي هذه وما سبقها سوف تثبت في صحيفتي أعمالنا غدا ، ولعلنا نقرأها سوية أمام الله .
ان اعلان الجهاد في الاسلام قد يوازي التحشيد للحرب الشاملة في المفهوم الحديث و هي بذالك لا تقتصر على تحشيد الأفراد وحسب وأنما ينبغي توفير المستلزمات الأخرى المكملة لتواجد جموع المجاهدين ، مستلزمات لايمكن تحقيق النصر بدونها وهي الحرب الاعلامية ، والإقتصادية ، وتعزيز الأمن والجبهة الداخلية ، وتقوية ثقة الأمة بنفسها في تحقيق النصر ، والذي يؤسف له أن الإعلام الحكومي مازال يحاكي إعلام النظام المقبور السابق في تبني البيانات الكاذبة غير الواقعية وتصديع الرؤوس بالأناشيد الحماسية البعيدة عما يحصل على أرض الواقع ، وهذا الأسلوب التقليدي القديم لم يعد مجديا في عصر تكنلوجيا المعلومات الحديث ، فلا بد من التوصية باعتماد الوسائل الحديثة في التعامل مع الواقع إعلاميا . أما الجانب الاقتصادي فإن الخلل واضح فما زال العراق أفضل بيئة لتبييض وغسيل الأموال بسبب اصرار حكومة المالكي ( تعمدا أم جهلاً ) على أبقاء المؤسسة المصرفية متردية من أجل التستر على جبل الفساد وسرقة المال العام ، فلابد من فتوى تتعامل مع كل جوانب الصراع ومستلزماته في سلة واحدة ، وإلا فإن النصر على الأعداء سوف يكون ضربا من المحال .
لقد كانت الدعوة للجهاد الكفائي ضد الإرهاب خطوة نقية ، وتسابق مئات الآلاف من شبابنا المخلصين للعمل بمسؤليتهم الشرعية ، يدفعهم لذلك حب الله والوطن وطاعة للإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه ، إيمانا منهم في أن ما يصدر عن سماحتكم لا يخرج عن رغبة إمامهم الغائب ، وأنا اراقب ما يصدر عن المتطوعين  من أقوال ومشاعر – خلال ألأيام الأولى – فلم أجد من بينهم من تطوع لأسباب مادية أو دنيوية ، فكانت النوايا صافية خالصة لله تعالى ، ولم أجد من طلاب الدنيا أو الانتهازيين وهم كثر في مجتمعنا من يسرع للانظمام للجهاد ، لكن حصل ما لم نكن نتوقعه ، عندما أصدر رئيس الوزراء بعد أيام قلائل مرسوما حدد فيه راتبا شهريا مجزيا لمن يتطوع ، أنا لا أعلم فيما إذا كانت هذه الخطوة هي بالتنسيق معكم أم لا ، لكنها على كل حال قد قلبت مشهد التطوع ، فبعد انتشار خبر الراتب المجزي للمتطوعين ، اسرعت الآلاف تتزاحم على مراكز التطوع ، في المدن والأقضية والنواحي ، ولما كثر العرض قل الطلب ، وأسرع تجار الدنيا ومستغلو الفرص يتحركون بين جمهور الراغبين في التطوع من أجل الراتب المجزي ، وخاصة أن فترة الثمان سنوات للحكومة الحالية قد أنتجت من العاطلين أعدادا غفيرة بسبب التخلف الصناعي والزراعي والتجاري وسوء إدارة الدولة ، وهذا أمر لايخفى عليكم ولعله أحد أسباب دعوتكم للتغير في الحكومة القادمة ، أنا لا أريد أن أحدد الدواعي من وراء خطوة رئيس الوزراء ، لكن العقلاء والواقع يشهد أن الإعلان عن الراتب وبتلك العجالة ودون دراسة واستشارة أهل الخبرة ، قد أفسد دعوة الجهاد ، وحولت مراكز التطوع إلى مراكز فساد مادي وإداري ، تقبل من يدفع أكثر وإن كان لا يصلح ، وتبعد المخلص المتحمس لأنه لايمتلك ما يعطيه للسماسرة . لقد سلك حال الدعوة الجهادية الإلهية ، طريق الدوائر الفاسدة التي لا يقبل فيها إلا من يدفع أو له حظوة لدى أحدى الكتل المتنفذة ، وخاصة أن أغلب مكاتب التطوع لاتخرج عن دائرة تلك الكتل ، لأنها ما زالت تمسك بتلابيب كل شيء .
أنا لست ضد أن تدفع الدولة للمتطوعين ، ففقرائنا والعاطلين من شبابنا هم أولى بالأموال العامة ، لكن الذي نراه أن فتوى الجهاد ومن خلال الإعلان عن الراتب المجزي وفرت فرصة لابتزاز المتطوعين الذين يتزاحمون في كل يوم أمام مراكز التطوع ، وقد بدأ الحديث عن ذلك الإبتزاز يكبر بين الأوساط الشعبية ، وتكبر معه مشاعر التفرقة والظلم في التمايز بين من يعطي وبين من لايملك ما يعطيه .
سيدي المرجع الأعلى :  أنا أعلم أن لدى وكلائكم بعض الإشراف على بعض مراكز تسجيل المتطوعين ، لكن تلك المراكز بالنسبة للمراكز التي تشرف عليها الأحزاب والكتل أو الجماعات الأخرى لا تساوي شيئا بالعدد ، ولذا فإن الممارسات غير الشرعية التي تعمل على إفساد الفتوى وإفراغها عن مضمونها الجهادي الإلهي تمارس بشكل كبير في المراكز الأخرى دون علمكم ، وتمارس فيها الكثير من الوسائل التي عملت بها الأحزاب وجربتها في الاستحواذ على الوظائف المدنية أو الأمنية الأخرى ، طيلة السنوات العشر الماضية .
سماحة المرجع الأعلى :  أن الفتوى تتعلق بشكل مباشر بحياة شبابنا ، وفعلاً فإن الأخبار تتوارد عن استشهاد العشرات منهم في جبهات الجهاد ، لكن الذي توارد أيضا هو أن الجموع الغفيرة التي اسرعت لميادين الحرب لم تجد من يتعامل معها كما ينبغي ، فغالبيتهم يعانون من نقص في السلاح والإطعام مع غياب المستلزمات اللوجستية التي هي من الشروط الأساسية لتحقيق النصر ، ونحن نعلم أن سبب ذلك هو الجهات التي تتولى قيادة الحشود الجماهيرية وتدير شؤنها الإدارية والحربية والتي لاتمتلك الحد الأدنى من الكفاءة أو القدرة على العمل بمسؤلياتها ، وقد سبق وأن تشرفت بذكر هذا المعنى في رسالتي لمراجعنا الكرام ، فالسيد رئيس الوزراء قد كلف فالح الفياض بقيادة المتطوعين ، وقد أكدنا أن الرجل غير مناسب لهذه المهمة الخطيرة .
سيدي المرجع : أن ترك الأمر دون تدخل من سماحتكم في تحديد الجهة التي تقود وتشرف على حشود المجاهدين يعني بقاء احتمال استمرار سفك دماء شبابنا من دون تحقيق أي نصر ، ولانظن أنكم تقبلون بتحمل هذه المسؤولية الخطيرة . وها هي نكسة التاسع من حزيران قد مضى عليها أكثر من شهرين ولم نر أي تقدم ملحوظ على جبهات الحرب ، فالقوات العراقية ومعها المتطوعون ما زالوا على تخوم بغداد أي ما زلنا في وضع الدفاع مع كل تلك الحشود الكبيرة ، وكنا نعتقد أن الفتوى ومع ما نمتلك من قوات عسكرية وأمنية أننا سوف ندفع بالإرهاب إلى مراكز المدن المحتلة ، ولهذا فإن حرب الاستنزاف التي حذرنا من خطورتها يبدو أنها اصبحت أمرا واقعا ، وكما نعلم ووفق المعايير العسكرية أن حرب الإستنزاف يعني أن القوتين المتصارعتين متكافئتان ، وأن ساعة الحسم سوف لن تكون قريبة ، وهذا يعني أيضا أننا نعطي للعدو متسعا من الوقت ليعزز وجوده العسكري والأمني واللوجستي ، ونحن كأمة نرفض هذا المعنى لقناعتنا في أن وجود مثل هذا الواقع العسكري الخطير جاء بسبب وجود أخطاء كبيرة لم نشهد لها حلولاً سريعة ، وللأسباب التالية :
أولاً : القيادة العامة العسكرية التي كانت سببا في الانتكاسة لفشلها ولقلة خبرتها وأخطائها المتراكمة ما زالت تقود الصراع العسكري ، ولذا فإن استمرارها يعني استمرار الأزمة وابتعاد الأمة عن حسم المعركة لصالحنا ، بل الخشية من تصاعد قوى العدو وحصول نكسات أخرى أكثر خطورة إذا ما قدر لا سمح الله للسيد المالكي وحزبه في قيادة البلد لفترة أخرى .
ثانيا : إن عدم حسم المعركة لحد الآن بدأ بتكريس روح الانهزامية في نفوس الكثير من أبناء الشعب ، فيما نحن بحاجة إلى انتصارات ملموسة تعالج الآثار النفسية التي تركتها نكسة التاسع من حزيران ، ومع عدم وجود أمل في حسم المعركة نخشى أن تصاب الأمة بما هو أخطر مما سبق ، مع علمنا أن الحكومات الطائفية في المنطقة وبالتعاون مع اجندات عالمية مصرة على تغيير الواقع السياسي في العراق وحسب ما رأيناه في مؤتمر عمان الأخير .
ثالثا: لقد فشلنا في تسويق الفتوى بشكل صحيح ، فبدت وكأنها تحشيد طائفي ضد المكون السني ، وكان علينا جميعا وخاصة الإعلام الحكومي المسخر لخدمة شخص فقط أن نعمل على إشراك المكون السني في الفتوى ، فنجمع بذلك كل المكونات العراقية ضد عدو واحد وهو الإرهاب المتمثل بعصابات ( داعش) وحلفائها من البعثيين والنقشبنديين والمجلس العسكري للعشائر المتطرفة .
سماحة المرجع الأعلى : لانعتقد أنه يخفى عليكم من أن ما يحصل في العراق لاينفصل عن صراع تاريخي بين الحق والباطل ، بين قوى عالمية تريد أن تستلب أي قرار مؤثر عالمي للشعوب المسلمة في الشرق الأوسط ، المنطقة التي تعتبر جغرافية المشروع الإلهي المستقبلي ، لتضمن مستقبلها السياسي والاقتصادي وتضمن مستقبل أسرائيل ، كما لانعتقد أنه يخفى عليكم ، أن الكثير من الحكومات الطائفية في المنطقة وعلى رأسها السعودية وقطر والأردن وتركيا متحالفة مع التوجهات الغربية في تقسيم العالم الإسلامي أو إبقاءه في حالة صراع مستمر لإضعافه وسلب أي إرادة منه للمشاركة الفعالة في التصدي لمشروع الهيمنة الغربي ، ولهذا فالشعب العراقي وهو يرى مالكم من سلطان على العقل الجمعي والوجدان الشيعي في العراق يطمح في أن تكون لكم مواقف جادة مخلصة لإبعاد الهيمنة السياسية الفاشلة من قبل الأحزاب والكتل التي لاتفكر بغير البقاء في السلطة ، والتي اصبحت عائقا خطيرا أمام انعتاق الشعب العراق في بناء دولة ومجتمع قوي في الداخل وذي تأثير في المنطقة والعالم ، ومن هنا تأتي خطورة دوركم الإنساني والتاريخي في اتخاذ قرارات شجاعة مهمة تشارك في إخراج العراق من محنته الحالية . ونحن نِؤمن أنكم تمتلكون الشجاعة الكافية في ذلك .
نسأل الله أن يديم أبوتكم .. و السلام عليكم ورحمة الله
الدكتور طالب الرماحي
مدير مركز العراق الجديد للإعلام والدراسات
5 شوال 1435 هـ

One Response to “رسالة إلى المرجع الكبير السيد السيستاني – الدكتور طالب الرماحي”

  1. عزيزي الدكتور طالب الرماحي المحترم:
    خطاب جميل و رسالة هادفة تُبيّن بوضوح ما يقع في الساحة العراقية كتقرير للواقع بخصوص حيثيات الفتوى التأريخية الإيجابية بشأن الجهاد ضد أجرم خلق الله, تلك الفتوى التي حفظت الوطن من الضياع و الحكومة العراقية من الزوال رغم مساوئها, لكن المشكلة الأساسية في الوضع العراقي؛ هي عدم إيمان المرجعية التقليدية نفسها بإقامة حدود الله و العدل عبر حكومة الأسلامية أو حتى شبه إسلامية, بل ترك الأمور للأحزاب و الناس و من ورائهم العملاء و المستكبرين و اليهود يخططون حسب ما يشاؤون!

    و لم يكن ليقع كل ذلك لولا النهج الفقهي و التعامل مع الأسلام في أهم مسألة أكدها القرآن و العترة الطاهرة و هي مسألة الأمر بآلمعروف و النهي عن المنكر, و ذلك لأسباب فكرية و تأريخية و نفسية و واقعية و تراثية متراكمة لا مجال لبيانها هنا!

    لذلك فإن الوضع العراقي مقبل على التقسيم و التجزئة بسبب التجزئة العقائدية التي أصابت الأسلاميين و قيادتهم التقليدية!

    لمعرفة مسألة (التجزئة العقائدية) أتمنى أن تراجعو سلسلة مقالاتنا بعنوان:
    [قصّتنا مع الله] خصوصاً الحلقة الأ

أضف تعليق

*