منهج الأمام علي في مكافحة الفساد/1

د. فخري مشكور

دراسة كتبها الدكتور فخري مشكور تهدف الى معالجة ظاهرة الفساد في الدولة، استناداً الى الفكر الإسلامي، والافكار مطروحة للنقاش وخصوصا فيما يتعلق بالآليات والكاتب يرجو من اصحاب الراي والخبرة في هذ المجال ان يوافونا بملاحظاتهم لاغناء البحث ونشره لاحقا كانتاج فكري جماعي، وقد عرضها على أحد الفقهاء للتأكد من مطابقتها للموازين الفقهية.

تمر الاديولوجيات والمبادئ والافكار بمرحلتين

مرحلة النظرية، ومرحلة التطبيق

في مرحلة النظرية يقوم المنظرون -على هامش عرض نظريتهم- بنقد الواقع وتسليط الاضواء على عيوبه  ونقائصه، وتتبع عثراته، وصولاً الى استنتاج ٍخلاصتـُه: إن فساد الواقع يعود الى عدم تطبيق نظريتهم وان سبيل النجاة هو الاخذ بها وإفساح المجال لها لكي تبني المجتمع وفق تصوراتها، ويومئذ يفرح الناس بالخلاص من الظلم والفساد، وتعم الفرحة بانتشار الرخاء والحياة السعيدة في ظل النظرية الجديدة .

اما مرحلة التطبيق فتبدأ من وصول أصحاب النظرية الى السلطة حيث توضع بأيديهم أقوى واهم ادوات التطبيق، فالسلطة تعني القوة، وتعني المال، وتعني النفوذ المعنوي، والقدرة الفائقة على التحرك لتمكين النظرية من انشاء البنى التحتية والفوقية للمجتمع وفق تصوراتها، ومنع النظريات المضادة من أي فعل مخالف للنظرية التي وصلت الى السلطة .

مرحلة النظرية سهله المؤنة قليلة الكلفه، لاتحتاج اكثر من شرح النظرية ونقد الواقع، وكلا الامرين ميسوران لمن كان له قلم او لسان، ولا يتطلبان الا جواً من الحرية الذي يسمح بنشر الافكار، فان لم يتوفر جو الحرية، فان المنع والقمع هو الذي يوفر لها فرصة الانتشار بوتيرة أقل سرعة ً، لكنها أشد تجذرا. وقد رأينا كيف فعل حكم الاعدام الذي اصدره النظام الدكتاتوري بحق من يروّج افكار حزب الدعوه عام 1980 اذ ادّى الى انتشار تلك الافكار بقوه لايمكن مقارنتها بما حصل بعد سقوط الدكتاتوريه حيث حصل الحزب على السلطة والثروة والحرية فتراجعت أفكاره الى مرحلة ما قبل الثمانينات .

في مرحلة النظريه يقوم المنظرون بشرح المتون العقائدية مستفيدين من قدراتهم الادبية ومواهبهم الفنية ومهاراتهم الخطابية، فيفوزون باعجاب المتلقين المتعطشين الى فكر جديد يحمل لهم الامل في الخلاص من الواقع الفاسد الذي يعانون منه، ويرافق الشرح الايديولوجي تنظير آخر يطال مختلف جوانب الواقع الفاسد، وهي مهمه في غاية اليسر  والسهوله، فالفساد منتشر وواضح للعيان وكل الناس يعانون منه، ولكنهم غير قادرين على تحليله وربطه بالاصول الايديولوجية لفكر السلطة الحاكمه، وهي المهمه التي يقوم بها اصحاب النظرية الجديدة بكل كفاءة.

ليست اللعبه في كشف فساد الواقع والتنظير له، لكن اللعبة الحقيقية هي في جني ثمار هذا النقد في غفلة من الرأي العام الذي يتصور ان اصحاب النظرية الجديدة مطهرون من عيوب الحاكمين الفعليين، وأن النظرية اذا سادت ذهب الشر كله، وجاء الخير كله، وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.

باستلام المنظرين الجدد للسلطة تنتهي مرحلة النظرية وتبدأ مرحلة التطبيق التي ينتظر فيها الناس نتائج الوعود التي حصلوا عليها من المنظرين في مرحلة التنظير، فالمنظرون – وقد اصبحوا طبقه حاكمه  –  مطالبون  ببناء نظام خال من العيوب والمفاسد والمظالم التي كانت في النظام القديم والتي كان المنظرون يريدون القضاء عليها وتخليص الناس من شرورها بفضل جهودهم وعلى ضوء نظريتهم.

الناس لم تكن تطالب المنظرين بشئ في مرحلة التنظير، فهم يعلمون ان مطالبة المنظر بأي شيء قبل وصوله الى السلطة سيواجه بجواب :”ليس في ايدينا سلطة، ولانستطيع ان نطبق نظريتنا ولكن انتظر استلامنا للسلطة وسترى كيف تخرج الارض بركاتها ويعم الرفاه حتى تحثو المال حثوا،ولا تعده عدا، وسيعمّ الامن حتى يسير الراكب من اقصى البلاد الى اقصاها لايخشى الا الله  والذئب على غنمه، و سيسود العدل حتى يكون الظالم في خوف الى ان يؤخذ الحق منه، وستنتشر العداله حتى يكون الرئيس والمرؤوس امام القانون سواء”.

*           *          *

في اليوم الاول من وصول المنظرين الى السلطة يبدأ الناس بانتظار التطبيق، لكنهم لا يستعجلون النتائج، فالنظام النظام القديم سقط، لكن جذوره باقية، وراسه قـُطع ولكن اطرافه لا زالت ممتدة، والبناء الذي قضى النظام القديم عقودا في تاسيسه يحتاج سنوات لاصلاحه .

ويـَقبلُ الناس هذا التبرير الى حين، ولكنهم سرعان ما يتململون مستعجلين تطبيق النظرية وتحقيق الوعود، خصوصا اذا كانت المعجزات جزءا من النظرية التي اصغوا اليها قبل مرحلة التطبيق، فاذا طال انتظارهم سلقوا المنظرين بألسنة حِداد، وسحبوا تأييدهم لهم، وربما اعتبروهم اسوأ من الذين خلوا من قبلهم لأنهم سكنوا في مساكن الذين ظلموا انفسهم وتبين لهم كيف فعل الله بهم وضرب لهم الامثال .

*             *             *

ان ردة فعل الناس من تاخر تطبيق النظرية يكون مضاعفا اذا وجدوا ان حـَمـَلة النظرية انفسهم بدؤوا يجسدون أسوأ النماذج في مرحلة التطبيق فهم – وبدلا من ان يكونوا اول المطبقين للمبادئ التي كانوا يدعون الناس اليها- تغيّروا وزاغوا فازاغ الله قلوبهم، فلهم اعين لا يبصرون بها الناس من وراء الحواجز الكونكريتية، ولهم آذان لا يسمعون بها استغاثات الناس خلف الخطوط الهاتفية المغلقة، ولهم قلوب لا يفقهون بها معاناة الناس تحت الضغوط المعيشية، وضُرب بينهم وبين الناس سورٌ له باب، داخله فيه المرتب الجيد والامن المستتب والخدمات التي لا تنقطع، وظاهره من قـِبـَله العذاب.

*             *             *

يعود تأخـّر تطبيق النظرية الى امرين :

الاول  : موضوعي ناشئ من طبيعة الاشياء، فتغيير البنية الاجتماعية او السياسية لا يتم بنفخة ملك أو لمسة رسول، ولابد من الزمن الذي يسمح للعمل الجاد ان يؤتي ثماره بعد فترة مناسبة من الوقت.

الثاني : ذاتي  ناشئ من نوع المنظرين القائمين على التطبيق، فان كانوا صادقين في ايمانهم بنظريتهم، عارفين باصول عملية البناء والتغيير، فان العامل الاول ( الموضوعي ) يفعل فعله بأقصر فترة زمنية .

وبالمصطلح الرائج : فان الكفاءه والنزاهه  شرطان ضروريان في القائمين على التطبيق، فاذا انعدم احدهما استحال التطبيق حتى مع توفر الظروف الموضوعية، لان فقدان النزاهة يجعل القائمين على التطبيق مشغولين بتحقيق مكاسبهم لامكاسب النظرية، وضمان مصالحهم قبل مصالح النظريه. اما فقدان الكفاءه فيجعلهم يتخبطون في الممارسة فيوكلون الامور الى غير اهلها، ويشغلون مواقع في السلطة ليسوا صالحين لملئها، وتكون النتيجة ُفي الحالين تلكؤَ عملية البناء والتغيير، بل وانعكاس النتائج سلبياً على النظريه التي سيحمّلها الناس مسؤولية الفشل في تحقيق طموحاتهم التي كانوا يأملون تحقيقها بسيادة تلك النظرية .

وبذلك  تتلقى النظرية اكبر ضربة لانها فقدت ثقة الناس بها ولم يعد بالامكان تطبيقها في المستقبل القريب حتى على يد جيل من الكفوئين النزيهين .

ولعل هذا هو السبب الذي منع الائمة من التخطيط لاستلام السلطة في ظروف كانت مؤاتية لتولّي الحكم من قبل ( الرضا من آل محمد )،لأن اهل البيت لايريدون استلام السلطة فقط، انما يريدون ان يمارس السلطة طبقه تصلح نموذجاً لمنهج اهل البيت في الحكم، فما فائدة تولي الحكم في غياب طبقه تؤتمن على تطبيق المبادئ الناصعة للاسلام النقي الذي يمثله اهل البيت ؟

لقد غاب منهج اهل البيت عن الحكم قرناً طويله  لكنه حكمهم بقي املاً منشوداً وحلماً غير متحقق، وهي حالة تـُحقق لهذا النهج مكاسب تاريخية تمتد لاجيال واجيال. ولكن لو كان قـُدّر لمنهجهم ان يتولى السلطة في غياب طبقه صالحة تجسده لدخل في قائمة النظريات التي سادت ثم بادت.

ان التأمل في سيرة ائمة اهل البيت وتاريخ الشعوب يدلنا على ان المبدئيين المخلصين يفضـّلون ان تكون نظرياتهم آمالاً غير متحققه على ان تكون تجربة فاشلة، فالامل يعيش في قلوب وعقول البشر، بينما التجربة الفاشله تجد مكانها في مزبلة التاريخ.

*                *                *

ربما يقال ان هذا الكلام ينطبق على حالة يستلم فيها المنظرون السلطة وحدهم لا شريك لهم، وان وجود الشريك يفسد عليهم فرصة تطبيق نظريتهم ويحـّملهم اخطاء شركائهم في السلطة ويمنعهم من اظهار الوجه المشرق من نظريتهم.

لكن هذا الكلام فيه تسامح كبير، بل فيه قلب للحقائق رأسا على عقب، فان اشتراك آخرين في السلطة يوفر لاصحاب النظرية فرصة ذهبية لكي يبرز المعدن الاصيل لحامل النظرية اذ يتسنى للناس ان يلمسوا الفرق الكبير بينه وبين سواه  ممن لايحملونها، ويتجلى الفرق بكل وضوح في سلوكين مختلفين يعملان في ظروف متشابهة، مما يعطي ضياء حامل النظرية امتيازاً على ظلام شريكه الذي لايؤمن بها، ليجعل حامل النور-مهما كان باهتاً – افضل من صاحب الظلمة، فاللون الرمادي لايكون مشرقا الا مع اللون الاسود.

*             *             *

ان وصول المنظرين الاسلاميين الى مرحلة التطبيق لاستلامهم السلطة مع شركاء اخرين( لكن بأستحواذهم على قمة هرمها) جعلهم امام محكمة التاريخ التي سوف تصدر حكما في قضيتين

الاولى  : هل تستطيع النظرية الاسلامية ان تقدم نموذجاً صالحا للحكم ؟

الثانية : ما هي الفروق الحقيقية بين المسؤول المتدين والمسؤول غير المتدين في استخدامه للسلطة وفي تعامله مع الناس؟

ان ابرز الفروق بين الاسلام وغيره من النظريات وبين المسؤل المتدين وغيره من المسؤلين يظهر في الموقف من الفساد، وهذه الدراسة لمنهج الامام علي في مكافحة الفساد تجلي هذا الفرق فتكشف الفرق بين الفريقين وتضيء للمتدين طريقا سلكه قبله اميره الذي يقتدي به.

أضف تعليق

*