مستقبل التعايش الطائفي والإثني في العراق – القسم الثاني

(كلمة للتاريخ)……..13/09/2005

بعد أن استعرضنا الخطوط العريضة لواقع الشيعة والسنة والكرد علينا أن نتطرق الى المعالم والإنطباعات الأساسية التي أفرزتها الحقب الثلاث وأصَّلتها في واقع كل منها ، لأن هذه المعالم والإنطباعات هي التي سوف تشكل الأسس التي يَبني عليها كلُّ منهم مواقفه ونظرته الى مستقبل العراق السياسي ، وفي هذه المعالم توجد المخاوف والتطلعات المستقبلية ، أو قد تكون ذرائع لمن يريد أن يصر على مطالب معينة أو عدم التخلي عن موقف ما. وهذه المعالم التي سوف نتناولها ربما تكون مادية أو معنوية .

المعالم والإنطباعات الأساسية لدى الشيعة : أولاً : ليس ثمة ما يدعو الى معاداة أي من شعوب العالم بما في ذلك اليهود فهذه الشعوب لم تسجل موقفا سلبيا واحدا إزاء الشيعة في حياتها وعلى مرِّ التاريخ ، بل على عكس ذلك أن شعوب العالم قد أنقذتها من براثن نمرية سنية حاقدة ولولاها لبقيت تلك البراثن تنهش في الجسد الشيعي . وفي ذات الوقت فإن الشيعة قد وضعوا السنة العرب في خانة من استباحوا دماءهم وأعراضهم على مدى التاريخ المنظور ، وهم ينظرون الى ذلك على أنه عمل عدواني ومظلومية تاريخية تدعوهم الى أن يكونوا في غاية الحيطة والحذر ، وهذه المظلومية التاريخية توجها النظام البعثي الصدامي بكوارث راح ضحيتها أكثر من سبعة ملايين بين شهيد ومعوق ومشرد ومفقود ، فالعدو إذن هم السنة العرب وليس العالم . ثانياً : يرى الشيعة في العراق أنه يستوجب  على النظام السياسي الجديد أن يضمن عدم عودة سلطة السنة كرة أخرى من خلال دستور عادل تكون فيه الأكثرية الشيعية هي صاحبة النفوذ.  ثانيا : البعث وقائده صدام حزب ترعرع في أوساط سنة العراق وهم أدوات بطشه وما زالت الغالبية منهم  يؤدون الدور ذاته بتحالفهم مع السنة العرب في الداخل (جماعة الزرقاوي) أو السنة العرب في الخارج من خلال إرسال الإرهابيين الى العراق وتشجيعهم إعلاميا ( القنوات الفضائية العربية) وشرعيا (فتاوى علماء السنة) التي أباحت دماء الشيعة بحجة تعاونهم مع الإحتلال ولذلك تولدت عقدة كراهية ورفض لدى الشيعة من حزب البعث ومن يتعاطف معه كائنا من يكون. ثالثاً: نتيجة للعلاقة الدموية التي عهدها الشيعة من قبل المسلمين السنة أصبح لدى الشيعة ميل نحو شعوب العالم الأخرى وأصبحوا أكثر تقبلاً لكل مساعدة تقدم إليهم من العالم .

المعالم والإنطباعات الأساسية لدى السنة : قبل أن أذكر مثل تلك الإنطباعات لابد من الإشارة الى أن هناك تباين كبير ما بين  الآوضاع السياسية والإجتماعية التي عاشها السنة عما هو عليه لدى الشيعة ، فالسنة لم يتعرضوا الى تلك المآسي التي شهدها المسلمون الشيعة والكرد بل إنهم كانوا مصدر تلك المآسي التي كانت تترى على الطرفين الآخرين ، وكانوا يشكلون أدوات البطش الجاهزة لكل الطواغيت التي حكمت العراق ، ولذلك لم يتولد لديهم أي شعور بالظلم ، فقد كانوا الحاكمين وأهل السطوة وبيدهم مفاتيح السياسة والثروة . نعم كانوا أقلية إذ لم تتجاوز نسبتهم في العراق على مر العصور أكثر من 13%  ومع ذلك فإن مشاعرهم وطبيعة تعاملهم مع الآخرين توحي لهم وكأنهم الأكثرية في البلد ، وهذه المشاعر بقيت ملازمة لسنة العراق الى مابعد سقوط النظام البعثي ، وما زالوا متمسكين بها ، وقد زاد من عمق هذه المشاعر وجود دول سنية تحيط بالعراق وتحاول هذه الدول من خلال إعلامها المباشر وتصريحات مسؤوليها والمساعدات التي ترسل منها أن توحي للسنة في العراق من أنهم الظهير والمساند ، هذا الأمر جعل سنة العراق تتمادى في رفضها للواقع السياسي ما بعد 9 نيسان 2003 ظنا منها أن الأوضاع في العراق إذا ما استمرت اعمال العنف والقتل الجماعي للشيعة وعرقلة العملية السياسية قابلة للتغير ورجوع العجلة الى الوراء . ولذا فإن في وسعنا أن نجمل الإنطباعات التي خرج بها السنة بالآتي أولاً: لقد فقدوا حزب البعث وفقدوا معه الدولة . ثانيا : صدام حسين كان يمثل الشخصية الفذة التي رفعتهم الى مصاف الحكام والتجار والسادة والقادة ووضع بين أيديهم ثروة أغنى بلد في المنطقة . ثالثا : هم أسياد العراق وأصحابه الحقيقيون ، وأن الطائفة الشيعية دخيلة على العراق ، فهي إما قد وردت العراق من إيران أو من الهند ، وهم مواطنون من الدرجة الثانية ، ونظر السنة الى الكرد نظرة عنصرية متعالية فهمشتهم  وألغت حقوقهم ووضعتهم في خانة الشيعة . رابعاً : هم الأكثرية وإذا أريد أن يُتعامل معهم ، فعلى هذا الأساس فقط.

المعالم والانطباعات الأساسية لدى الكرد : لأول مرة في تاريخ كردستان العراق ، أن أهلها بدأوا يشعرون بثقة عالية بقدرتهم  على بناء مستقبل زاهر في منطقة كردستان . هذه الثقة هي التي دفعتهم الى الإفراط في طلباتهم أثناء أي جولة حوار مع الأطراف السياسية الأخرى في العراق ، وأنا أعتقد أن من حق الأكراد أن يفعلوا ذلك فهم يفعلون ما يفعله الشيعة في الجنوب حيث أن الإثنين قد تعرضوا وعبر تاريخهم الطويل الى الإضطهاد والتهميش وانتهى بقتل جماعي من قبل الأنظمة المركزية الحاكمة المتعاقبة على العراق ، وعلى هذا الأساس تبلورت الكثير من الإنطباعات لدى الكرد أهمها أولاً : صعوبة التعايش الى الأبد مع الإثنيات والطوائف الأخرى في العراق وضرورة العمل والسعي الحثيث لبناء أسس دولة المستقبل . ثانياً: أن التغيرات السياسية والإقتصادية في العالم خففت من معارضته في منح الكرد هامش واسع من الإستقلالية التي قد تكون الأساس للإستقلال التام وإنشاء دولة الكرد الكبرى خلال السنوات العشر القادمة. ثالثاً : وجد الكرد أن مصالحهم المستقبلية  في التحالف الستراتيجي مع الشيعة لإنعدام أي مقومة لإنشاء علاقة غير روتينية مع السنة ، فالشيعة في نظر الكرد لا يعارضون إنشاء دولة المستقبل الكردية بل يشجعونهم على ذلك لكثير من الإعتبارات وعلى رأسها ستراتيجية الشيعة التي ابتنوها على أحقية الشعوب في اختيار مستقبلها وبالشكل الذي يرونها هم لا غيرهم. رابعاً  : الكوارث التي جرها حزب البعث على الشعب الكردي كحلبجة والأنفال وبرزان دقت إسفينا في وجدان الشعب الكردي بينهم وبين السنة العرب الذي مثلهم واستمالهم النظام البعثي الصدامي السابق .هذا الإسفين شبيه بالإسفين الذي دقته ( المقابر الجماعية ) والتهجير القسري والتصفيات الجسدية وإجراءات التهميش في الوجدان الشيعي إزاء سنة العراق.

ماهو مستقبل التعايش وفق ماورد أعلاه من واقع ومعالم وتصورات ؟

( لا يصلح الحداد ما أفسد الدهر ) ، مكرُ البعثين في السنوات التي حكموا  بها العراق ، قضى على مجمل الوشائج والعلاقات الحميمة التي كانت تربط كل أطياف الشعب العراقي ، واحدثت شرخا شيطانيا واسعا من عدم الثقة بينها ، بل أن الأطراف الثلاث الرئيسية ( الكرد والشيعة والسنة ) أصبحت تتوجس خيفة من بعضها ، فالكرد تعرضوا للقتل والدمار من قبل العرب طيلة سبعين عاما ، ختمت بالأنفال وحلبجة ، والسنة أذاقوا الشيعة الويلات طيلة ثمانين عاما توجوها بالمقابر الجماعية وإعدام الساحات والتغييب . نعم ثمة مظلومية مشتركة بين الكرد والشيعة ربما تقربهم من بعض ، لكن هذه لن تستطيع أن تصمد أمام الإحساس العميق بالمظلومية والتي خلقت رغبة جارفة بالإستقلال وهذا الأمر واضح لو أردنا أن نتمعن بالنظام السياسي والإداري في كردستان والذي هو أقرب الى الدولة المستقلة منه الى حكم ذاتي أو حتى فيدرالي . حتى السنة وهم يدركون طبيعة الأهوال التي سببوها للأطراف الأخرى بدأوا يتوجسون خيفة من انتقام قادم من قبل تلك الأطراف  وهذا مما يدفعهم الى التفتيش عن وضع من القوة يجعلهم في مأمن من ذلك الإنتقام ، وإذا ما أخفقوا في تحقيق ذلك فربما يلجأون الى الإنفصال والإتكاء على دول الجوار السنية التي هي الأخرى تتوجس خيفة من غزوا ديمقراطي سياسي وديني قادم لهم من العراق الشيعي .

إذن خيارات التباعد أقرب الى الواقع من خيارات التقارب ، والتحمس الذي يبديه الشيعة والكرد للفيدرالية هو خطوة على طريق ذلك التباعد ، والدعوات السنية المعارضة للفيدرالية – والتي يرافقها دائما عمليات عنف وإرهاب وقتل بالجملة بالشعب العراقي – هي ليست من قبيل الحرص على وحدة العراق وكما يدعون إنما هي خطوة لتعطيل العملية السياسية برمتها على أمل أن تشيح أمريكا بوجهها عن العراق فتتهيأ عندئذ فرصة ذهبية لخلق أجواء سياسية تخدمهم . ولذا فإن السنة يرون نهايتهم السياسية ليست في نجاح الفيدرالية في العراق وإنما في نجاح العملية السياسية واكتمال بناء العراق أمنيا واقتصاديا والقضاء التام على الإرهاب والعنف وهذا ما يجاهد الشعب العراقي من أجل تحقيقه. وإذا ما تحقق هذا الأمل وهو الأرجح فإن السنة يجدون أنفسهم وبلا وعي يطالبون بالإنفصال .

ولذا فإن مستقبل العراق القريب سيمرُّ بثلاث محطات الأولى هي دولة فيدرالية تتكافأ فيها صلاحيات الأقاليم مع المركز، ثم تتحول الى دولة فيدرالية تتعاظم فيها صلاحيات الأقاليم على حساب المركز، ثم تبدأ المرحلة الأخيرة والتي تسبق الإتحاد الكونفيدرالي ، والخلاف على توزيع الثروات هو الدافع الأقوى لذلك النمط من الإتحاد ، وسوف لن يكون ذلك رغبة خارجية وكما يطبل لها بعض السياسيين وإنما هو رغبة حقيقية لإبناء الشعب العراقي بعد أن تنضج لديه فكرة الكونفدرالية ، ونؤكد أن للظروف السياسية المأساوية التي مرَّ بها الشعب العراقي هي من أقوى الأسباب التي مهدت لهذه التركيبة السياسية والجغرافية المتوقعة لعراق الغد .

أضف تعليق

*