مستقبل التعايش الطائفي والإثني في العراق – القسم الأول

  كلمة للتاريخ…..13/09/2005

كلنا نحب أن نحلم ، ومن حقنا أن نفعل ذلك ، احلاما من وحي الرحمن أو من وحي الشيطان ، وكل منا يحلوا له أن يمني نفسه بمستقبل واعد زاهر وانتصار مديد للفئة أو الطائفة التي ينتمي إليها . لكن ، وكما أن (الموت) يطلق عليه ( هادم اللذات ) فإن ( الواقع أو الظروف الموضوعية ) هادم ( الأحلام ) ، الواقع الذي يعيشه العراق سوف لن يسمح لأحد منا أن يتمتع بحلمه ، لأن الغد  سيكون نتاجا حتميا لما يفرزه الصراع الحقيقي الذي اتشح بوشاح قان لونته وتلونه دماء الأبرياء الذين يسقطون تباعا في كل يوم ، في كل ركن من أركان هذا الوطن.

ومن أجل أن نكون ذا مصداقية في استقراء الغد علينا أن نرسم أولاً خارطة لعناصر الصراع الديموغرافي ، ثم نحاول أن نقترب قليلاً منها ونناقشها بهدوء ، فهذه الخارطة تتكون من ثلاث عناصر مؤثرة ، وسوف نتجاهل العناصر الأخرى لعدم قدرتها على التأثير مباشرة في تغيير الواقع ، والعناصر الثلاث تتكون من العرب الشيعة في الوسط والجنوب ، والعرب السنة في شمال غرب العراق ثم الكرد في منطقة الشمال .

واقع العرب الشيعة في الوسط والجنوب : اغلبية همشت على مر التاريخ ،اعتدي عليها وصودرت حريتها وعوملت خلال النصف قرن الماضي في وطنها على أنها مخلوقات من الدرجة الثانية ، وشكك بهويتها ، ثم طعن في اصل عقيدتها فهي خارجة عن الدين لحبها أهل البيت واتباع مدرستهم وكفرها بمدرسة أبي سفيان ومن سار على نهجها ابتداءاً بمعاوية وانتهاءا بصدام حسين والزرقاوي . ونتيجة لهذه النظرة غير العادلة من قبل الغير فقد أصابها التخلف الإقتصادي والثقافي والصحي وتعرضت لحملات أبادة ودفن وتهجير وتشريد ، ووضعت المخططات العديدة لأضعافها وكسر شوكتها ومسخ شخصيتها حتى أن النظام الصدامي قد وضع خطة محكمة في مراحل لجعلها ( أقلية ) داخل العراق وفي المقابل وضعت خطة تقابلها لجعل الأقلية السنية العربية أكثرية ، هاتان الخطتان سقفهما 2015 ففي هذه السنة ( وفق الخطة ) سوف يشكل الوجود الشيعي أقل من 15% بينما سوف يشكل وجود السنة العر ب 55% . وهذه المحاولة ( الشيطانية ) الغريبة لها مصاديق كثيرة ومن تلك المصاديق أولاً : دفن مايقرب النصف مليون شيعي تحت الأرض أحياءا . ثانياً : تشريد أكثر من ثلاثة ملايين خارج العراق . ثالثاً : إعدام أكثر من مليون . رابعاً : تعميم صادر من وزارة صحة النظام السابق وبتوجيه مباشر من صدام الى جميع مستشفيات المحافظات الشيعية بوجوب إرسال شهادة وفاة لـ 1500 طفل في كل شهر لوزارة الصحة في بغداد ، ولذا فإن المستشفيات درجت على زرق الإطفال الشيعة بأمصال الموت البطيء بإشراف أطباء بعثيين . خامسا : حربا ايران والكويت إذ كان وقودهما الشيعة وراح جرائهما أكثر من ثلاثة ملايين وإعاقة أكثر من مليون . لقد ذكرت بعض المصادر أن صداما كان يتلقى التقارير من خبراء يشرفون على تنفيذ هذه الخطة فيطلع كل ثلاثة أشهر على مراحل تنفيذها فيرى كم  تدنت نسبة الشيعة في العراق  وكم تصاعدت نسبة السنة . الجسد الشيعي وبعد كل تلك الأهوال والجراح العميقة التي عصفت به عشرات السنين مازال يتلقى الطعناة من ذات المدية التي كانت تقطع بأوصاله نصف قرن .

واقع العرب السنة في غرب وشمال غرب العراق : هم أقلية وآخر إحصائية لمنظمة غربية محايدة قدرتهم بـ 13% لكنهم تحركوا على جغرافية العراق كأكثرية وتعاملوا مع أهله على هذا الأساس ، تمكنوا من العراق سياسيا واستحوذوا عليه للأسباب التالية الآول : أن الدولة العثمانية قد هيأت لهم كوادر سياسية ورجال حكم في حين أحكمت خناقها على الكرد والشيعة فكانت حصة الأخيرين الجهل والإقصاء بذريعة ذلك الجهل ، وقد ورد في أول دستور عراقي أن العراق يتشكل من ثلاث طوائف السنة العرب والكرد وأكثرية شيعية جاهلة. الثاني : تعاونهم مع البريطانيين في ترتيب شكل الحكم مع عدم حصول أي صِدام عسكري  بين الطرفين الأمر الذي مهد لهم الأستحواذ على مجلس النواب والحكومات المتتالية التي تعاقبت على حكم العراق . الثالث : انعدام الخبرة السياسية والقيادية لدى الشيعة وتسليم زمام امورهم السياسية الى رجال الدين الذين أفتوا بعدم جواز المشاركة في الإنتخابات وأي عملية سياسية. الرابع : ثورة العشرين من قبل الشيعة ضد الإنكليز أعطت انطباعا سلبيا لدى المحتل مما أدى الى تحالفه مع السنة (المهادنين) وإبعاد الشيعة المشاكسين. السنة العرب في العراق كانوا يشعرون وما زالت تلك المشاعر تعتمل في قلوب غالبيتهم أنهم أقوياء لوجود دول سنية تحيط بهم وتمدهم بما يعزز وجودهم القوي فتلك الدول يعتبرونها عمقهم الإستراتيجي الذي لم ينفصل عنهم . وما زال البعض من رموزهم يفخرون بذلك ويعتبرون ذلك مدعاة لتبرير ادعائهم بأنهم (اكثرية) في العراق ، وخاصة أن التاريخ الحديث قد برهن أن المواقف الإيرانية اتجاه شيعة العراق قد أثبتت سلبيتها ، إذ اعتاد الإيرانيون أن يقدموا مصالحهم القومية على المصالح الأخرى ،  ناهيك من أن اختلاف (الإثنية) بين شيعة العراق وإيران قد قلل من تحمس شيعة العراق من الإستنجاد بالإيرانيين أثناء الأزمات، فكان ذلك لصالح السنة العرب في العراق . كل الأمور التي ذكرتها لاتساوي شيئا في خلق وبلورة الشخصية السنية الحالية في العراق إزاء الأثر الذي تركته الحقب الثلاث التي حكمها حزب البعث برئاسة صدام  على تلك الشخصية ، فحزب البعث انتهج نهجا دمويا صِداميا في تعامله مع الشيعة والكرد ليضمن عمرا مديدا لحكمه وحكم أسرته من بعده ، ومن أجل أن يحقق هذا الهدف فلابد أن يتكأ على إحدى الطوائف ، وكان سنة العراق(وقد انبثق من بين أوساطهم) أقرب إليه وإلى تحقيق أحلامه فعمل على ترويضم من خلال الإجراءات التالية:

 أولاً: جند كل شبابهم للإنخراط في دوائر الأمن والإستخبارات والمراكز الحساسة في دوائر الدولة المدنية والعسكرية ، وقد عمل صدام على بناء خمسة عشر جهازا أمنيا جند فيه مايقرب ثلاث أرباع مليون عنصر يشكل السنة 95% والبقية من ( جحوش ) الكرد والشيعة .

 ثانيا: عمد صدام الى خلق عدة أجيال من صغارالتجار السنة من خلال منحهم قروض طويلة الأمد وأصبح اتحاد الصناعات العراقية وغرفة التجارة مجيرة لخدمة أولئك التجار الذين كانوا قبل مجيء حزب البعث كسبة ورعاة ومزارعين ، وكانت الإجازات لفتح المعامل محتكرة للمحافظات السنية ومحرمة على محافظات العراق الأخرى في الجنوب أو الشمال ، ويقدر البعض أن الذين استفادوا من هذه السياسة الإقتصادية التفضيلية من السنة يقدر بأكثر من مليون.

 ثالثا: لقد جلب صدام الآلاف من المعدمين السنة وشكل منهم مستعمرات بعثية تحيط بمدينة بغداد وأمدهم بالأراضي الخصبة وبالمنح المالية المجزية فبنوا لهم بيوت فارهة واقتنوا أفخر السيارات ، ثم وزع عليهم الإسلحة المختلفة وربطهم ببعض الدوائر الأمنية والفرق الحزبية لينفروا لنجدة حزب البعث إذا ما تعرضت بغداد لخطر ( شيعي ) ، وهذا ما نراه الآن في  ( اللطيفية ) و(المدائن) و (بعقوبة) و(الفلوجة) وغيرها من المدن الصغيرة والقرى المحيطة ببغداد والتي شهدنا منها ملاحم دموية ضد الشيعة ورجال الدول الجديدة ، ثأرا لولي النعمة وللحزب الذي سبق وأن نقلهم من الفقر المدقع الى الغنى المفرط.

 رابعاً : لقد أجاد الإعلام البعثي في التعامل مع العقلية السنية العراقية ، فثبت فيها معنى السيادة والفوقية والأكثرية وأن الشيعة والكرد مخلوقات من الدرجة الثانية (مستفيدا من التجربة الهتلرية) خلقت لتكون محكومة وتابعة في العراق وهي في طريقها الى الإنقراض المادي والمعنوي . كما أن الإعلام العربي كان مكملاً للإعلام البعثي في شحذ الهمم والسكاكين بوجة من يريد أن يمس طرف أذيال حزب البعث وقائده .

 وهكذا استطاع حزب البعث والعرب وطيلة الـ 35 سنة الماضية أن يؤصلا في وجدان السني العربي في العراق أن حزب البعث حزبا سنيا جاء من أجلهم وأن وجودهم من وجوده ، وأن صدام الرجل الذي ضحى من أجلهم يستحق أن يضحى من أجله ،  وها نحن نرى بين الفينة والأخرى المظاهرات في المحافظات السنية تهتف باسم صدام وترفع صوره وتمجد بحزبه المقبور ، وكلنا نشهد شراسة المعارك التي تدور رحاها فقط في تلك المحافظات دون كلل أو ملل ، فهذه المعارك بالنسبة لهم تعتبر معارك حياة أو موت. ولا يفوتنا وإنصافا للحقيقة أن هناك ( معتدلين ) من السنة ، إلا أنهم ليسوا أصحاب سطوة وهؤلاء هم من الطبقات التي لم تستفد من النظام السابق وهي أقلية لاحول لها ولا قوة.

واقع الكرد في الشمال : نالهم مانال الشيعة من تهميش وقتل وتشريد ، (حلبجة ) و ( الأنفال ) من الشواهد التاريخية على ذلك ، تمكنوا من نيل الإستقلال الذاتي بعد تحرير الكويت ، وكان للمواقف الدولية وأمريكا بالذات الفضل الأكبر في عزل الكرد عن بطش النظام الصدامي سنة1991 . هذه الفرصة هيأت للكرد فرصة ذهبية لتضميد جراح سنوات القهر البعثي في حين بقي الشيعة في الوسط والجنوب يرضخون تحت مطرقة ذلك القهر.

 استطاع الكرد خلال الخمسة عشر سنة التي سبقت ( التحرير) أن يرسموا لكردستان خريطتها السياسية والأمنية والعمرانية ، لقد وضعوا الأسس لدولة المستقبل ، وتأصل معنى الدولة المستقلة في مشاعر ووجدان الكرد وراحت الأغلبية منهم تنادي بتشكيل دولة ( كردستان ) وإن بدت قياداتهم ولاعتبارات دولية وإقليمية وسياسية تخص العراق أن تنأى عن إبداء هذه الرغبة ، لكن المعروف أن جذوة هذه الرغبة في وجدان القيادات الكردية ليست أقل اتقادا منها في وجدان أي كردي آخر. اكتسبت القيادات الكردية خبرة سياسية وقيادية وإعلامية عالية استطاعت من خلالها أن تكسب ود العالم  وأن تجيد اللعبة السياسية مع العالم ومع النخب السياسية من التيارات العراقية في أغلب المؤتمرات التي عقدتها المعارضة العراقية اعتبارا من مؤتمر فينا وحتى مؤتمر لندن قبيل التحرير.

استغل الأكراد الحماية الدولية لهم في الفترة التي سبقت التحرير فعملوا على إعادة بناء المدن الكردية وأن يؤسسوا لنظام إداري جيد ورسموا معالم اقتصاد استطاع أن يخفف من أعباء الفقر من على كاهل الشعب الكردي ، وأصبح في وسع هذا الشعب لأول مرة أن يحلم في مستقبل مستقر ورغيد. وهكذا استطاع الأكراد أن يتقدموا على مناطق الوسط والجنوب الشيعية في أغلب النواحي ومنها الأمنية والإقتصادية والإعمار.           يتبع القسم الثاني

أضف تعليق

*