ما فعله الساسة في العراق لم يفعله الاجتياح العسكري! – د. شاكر النابلسي

هذا هو وقت النقد الوطني والذاتي، لحصيلة سبع سنوات من الحرية، ومخيال الديمقراطية، والدم، والدموع، والخراب، في الأرض والنفوس في العراق. وهذا النقد، بمنزلة مراجعة ومكاشفة، لكل ما مضى خلال السنوات السبع العجاف في العراق، ولكنه ليس- بأي حال من الأحوال- تراجعاً واستنكافاً عما آمنا به، ونادينا به، وما زلنا مؤمنين وننادي به، وهو الحرية كل الحرية للعراق، والديمقراطية كل الديمقراطية للعراق، وإن كانت الديمقراطية لا تليق بالساسة العراقيين، الذين لم يجدوا في العراق بعد فجر التاسع من إبريل 2003 غير النهب، والسرقة، والفساد السياسي، والاصطفاف الطائفي الديني، والتنازع على المكاسب والمنافع، والهروب من العراق، وتركه لبقية الذئاب من السياسيين تنهش ما تبقى من جلد الفريسة.

هل كان الغزو آخر الدواء؟

وكما قلنا في مقالنا السابق هنا، وفي هذه الصفحة، من أن ما فعله العرب في العراق من خراب، وتدمير، وتفجير، وإنكار، واستكبار، فعله أيضاً السياسيون العراق، ولكن ما فعله السياسيون العراقيون في العراق، لم تفعله قوات الغزو للعراق، سواء كانت أميركية أو غيرها، بل هي جاءت إلى العراق لتؤدي مهمة عسكرية وتنسحب، وها هي ستبدأ الانسحاب قريباً، وكانت منضبطة في الحدود المحتملة، والتحديات، والصعاب الكثيرة، التي واجهتها من الإرهاب، ومن الطقس والجغرافيا، ومن الفوضى في الشارع العراقي، وكان الغزو العسكري في التاريخ كله، وفي كل زمان ومكان، له جوانب سلبية مؤلمة، لا بُدَّ من تحملها، خصوصا فيما لو كان الهدف من هذا الغزو خدمة المغزي على المدى الطويل، وإزالة ما يعوق طريقه إلى التقدم والحياة الأفضل… ونحن نقرأ في تاريخ الفتوحات الإسلامية، ما فعله المحاربون الفاتحون القادمون من الصحراء، حيث لا ماء ولا كلأ، من دمار، وخراب، وقتل، وجمع أموال ونفائس، وأسر النساء، وبيعهن في أسواق النخاسة، أو الاحتفاظ ببعضهن كخادمات في المنازل، ونساء للمتعة الجنسية.

فلكل غزو عسكري في التاريخ سلبياته، وجرائمه، وعيوبه، والثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب المغزي، سواء كان هذا الغزو لنصرة المغزي وتخليصه من حكم دكتاتوري طاغٍ، أو لإخضاعه لسلطة الغازي. والمثال القريب لذلك، ما حصل لأوروبا في الحرب العالمية الثانية، فقد دمَّر هتلر الغازي أوروبا دماراً مفجعاً، وعندما أراد الحلفاء تحرير أوروبا من الغازي الهتلري دمروا أوروبا أيضاً تدميراً مفجعاً، فشهدت أوروبا الفواجع في غزو هتلر لها، وشهدت الفواجع كذلك في غزو الحلفاء لها، لتخليصها من الغازي الهتلري. كذلك حصل الفعل ذاته في العراق، فقد شهد العراق الفواجع حين حكمه صدام حسين، نائباً للرئيس، ورئيساً (1969-2003) ونشبت حرب الخليج الأولى 1980-1988، والثانية 1991، وشهد الفواجع أيضاً حين قرر الحلفاء تحرير العراق من حكم الطاغية الدكتاتور. ولكن المهم في الأمر، أن فواجع العراق بسبب الحكم الدكتاتوري كانت من الفواجع الدائمة، ذات الغور العميق في الإنسان والوطن. ومن هذه الفواجع، نشر الخوف، والعنف، ومصادرة الحريات، وتعذيب ومطاردة المعارضة، وعبادة الفرد المطلق، والفساد السياسي والمالي… إلخ. وتأصيل كل هذا في أعماق الإنسان العراقي، وفي وجدانه، وفي شعوره، وفي حاضره، ومستقبله. والمهم في هذا- بل المصيبة الكبرى في هذا- أن هذه السلوكيات أصبحت من أخلاقيات تلك المرحلة، وجزءاً من التربية العراقية القسرية العامة للمواطنين، في البيت، والمدرسة، والمعهد، والجامعة، والجيش، والخدمة المدنية، وكل مرافق الحياة في العراق. في حين أن السلبيات التي تركها وسيتركها الغزو العسكري اقتصرت على الخارج دون الداخل. بمعنى أن الغزو العسكري لم يغتل الحرية بقدر ما انتشلها من قبورها، ومراقدها. ولم يلغِ الديمقراطية بقدر ما أكدها وشجعها، ولم ينشر الرعب من السلطة، بقدر ما اعتبر المواطن هو السلطة، والسلطة هي المواطن، ولم يسرق خزائن الدولة بقدر ما حمى هذه الخزائن إلى حين، من سطو السياسيين السارقين الناهبين. إلى جانب ذلك، فقد كان للغزو العسكري سلبياته، فقد كان بمنزلة صحن العسل الذي جلب الذباب إليه.

فالغزو العسكري والفلتان الأمني في العراق شجعا عناصر الإرهاب الديني والإيديولوجي على نشر الفوضى والجرائم الدموية فيه، وذلك أحد استحقاقات الغزو العسكري، كما أن الأثمان المرتفعة التي دفعها العراقيون من دماء أبنائهم، كانت ثمناً للحرية والديمقراطية التي خطفها السياسيون وحولوها إلى كرة قدم يلعبون بها، ويتبارون بها، مع بعضهم بعضاً، بعيداً عن مصالح العراق، ومنافع العراقيين.

فساد السياسيين وجبروت الغزو

فماذا فعل السياسيون وماذا فعل الغزو؟ لو ألقينا نظرة سريعة على قائمة ما فعله السياسيون العراقيون، وما فعله الغزو العسكري لخرجنا بالحقائق التالية:

1 – لم يُضحِ الساسة العراقيون بأموالهم أو بأنفسهم- ما عدا قلّة قليلة منهم كمثال الألوسي وأياد جمال الدين وغيرهما- من أجل العراق والعراقيين، بل هم على عكس ذلك، فقد استفادت أكثريتهم من العراق الجديد، بنهب الأموال الطائلة، والتمسك بالسلطة، ورفض تداولها، ونقع الدستور، ووثيقة الديمقراطية في ماء بارد، وشُربه إطفاءً لحرارة الصيف العراقي اللاهب. مما يذكرنا بمرحلة الدكتاتورية الصدامية (1979-2003). وربما ما يجري في العراق الآن من احتكار للسلطة وعدم القبول بتداولها، يُعد أكثر خطورة مما كان يجري في مرحلة الدكتاتورية الصدامية، ذلك أن مرحلة الدكتاتورية الصدامية كانت تعلن وتتصرف بصراحة ووضوح على أنها سلطة دكتاتورية، أما ما يجري في العراق الآن فهي الديمقراطية الكاذبة المزورة الخادعة، التي تتخذ من الديمقراطية قفازاً حريراً، يخفي الأصابع الدينية الطائفية والأظافر الإيرانية.

2 – حاول الغزو العسكري حماية العراق من الإرهاب الديني الطائفي القادم من الداخل والخارج، ودفع الثمن غالياً لهذه الحماية، فقُتل أكثر من أربعة آلاف جندي، وخسرت أميركا وبريطانيا مئات المليارات من الدولارات ثمناً لحماية العراق من الإرهاب المتزايد. وانتهز السياسيون العراقيون وقوع العراق في الإرهاب ومقاومته، وتركوا أمر هذه المقاومة للقوات الأجنبية، والتفتوا إلى زيادة أرصدتهم المالية في البنوك، وتعيين الأقرباء و(المحاسيب) و(الأزلام) في المناصب السياسية الحساسة، وهو ما فعله صدام حسين بدقة، حين كان نائباً للرئيس البكر ( 1969 – 1979).

3 – وأخيراً، نلاحظ أن السياسيين العراقيين هدموا كل ما بنته قوات الغزو مما من شأنه أن يحمي العراق من أعدائه، ففي الوقت الذي حاولت دول قوات الغزو تخليص العراق من الارتهان للآخر، ارتهن معظم السياسيين العراقيين لدول الجوار، كما أدى الاحتقان السياسي في الماضي والحاضر نتيجة لهذا الارتهان إلى زيادة موجات الإرهاب، فالاحتقان السياسي وعدم تداول السلطة هما المستنقعان الضروريان والملائمان لتكاثر فيروس الإرهاب في العراق.

وهناك مظاهر أخرى كثيرة، لا تتسع لها المساحة المخصصة لهذا المقال، ولكن يجب أن نثبت هنا، أننا ضد الغزو العسكري، ونعارضه في كل أشكاله، ولكن ما الحيلة عندما يكون الكي آخر الدواء كما في الحالة العراقية، وكنا نتمنى أن يتم ما تمَّ في فجر إبريل 2003 من دون الغزو العسكري.

أضف تعليق

*