فساد وازدواج شخصية – سليمة قاسم

حدثتني قريبتي عن الدعوى التي تنوي رفعها ضد طليقها بتهمة التزوير والاختلاس فقد أصبح مديرا عاما لإحدى الدوائر الحكومية وهو بالكاد يفك الخط بعد أن دبر له احد معارفه شهادة مصدقة من كلية الإدارة والاقتصاد مقابل عدة ملايين دفعها عن طيب خاطر كونها تحمل أختاما وتوقيعا صادرا من نفس الكلية ليصبح بعدها مديرا عاما في تلك الدائرة التي اختلس منها مبالغ طائلة قبل أن  يغريه طموحه المريض لأن يصبح ضابطا كبيرا في إحدى الوزارات الأمنية وهو أمر لم يجتهد كثيرا لتحقيقه فهو يملك المال الذي يصنع المستحيل وحين رأيتها بعد مدة من الزمن فاجأتني بأنها لا تفكر بإثارة ذلك الموضوع مرة أخرى، وأنها نسيته بالكامل وحين سألتها عن السبب أجابت بأن طليقها قد ردها إليه مرة أخرى فكيف تفعل بوالد أطفالها تلك الفعلة.
 أما أحد الزملاء فقد أقام الدنيا ولم يقعدها على رئيسه في العمل وعن فساده الذي أصبحت رائحته تزكم الأنوف وعن الرشاوى التي يحصل عليها عند إنجاز معاملة ما وانه ينوي أن يشي به للجهات المختصة بعد أن يجمع الأدلة الكافية ضده  ليقوم بدوره في خدمة البلد، وقد احترمته كثيرا لموقفه ذاك، لكنني وعن طريق الصدفة عرفت أن ذلك الزميل كان صديقا مقربا لمديره وأنهما كانا يلعبان دورا واحدا في قبول الرشاوى عند إنجاز المعاملات لكن الخلافات المادية عصفت بتلك الصداقة فأراد صاحبنا أن ينتقم من مديره بالوشاية عنه لدى الجهات المختصة أما خدمته البلد ودفاعه عنه فكانت شعارات ليس إلا.
وفي إحدى الدوائر الحكومية جلست انتظر ساعات عدة لإكمال معاملة بسيطة، وحين رأتني إحدى الموظفات أهم بالمغادرة  أشارت بحركة من رأسها أن أقترب منها، لتخبرني أنها تستطيع إنجاز معاملتي بدقائق معدودة  فيما لو دفعت لها مبلغا معينا من المال،  ترددت للوهلة الأولى لكن ذلك الانتظار الممل والزحام الخانق وحاجتي إلى إنجاز المعاملة بأسرع وقت دفعتني إلى الموافقة.
 خرجت من الدائرة وأنا أشعر بهمّ كبير فكيف أرفض الفساد وأساهم فيه ولو بتلك الطريقة البسيطة. فهي على كل حال نوع من أنواع الفساد الذي استشرى في البلد بشكل كبير ويقف حائلا دون بنائه وإعماره بعد أكثر من ثماني سنوات، وكان عذري في ما فعلت أننا  نجد أنفسنا أحيانا مجبرين على ممارسة أفعال لا نرتضيها. الحالات الثلاث التي تحدثت عنها آنفا  تعطينا فكرة  واضحة عن الإشكالية التي أصبحنا نعانيها في موقفنا من موضوعة الفساد ، ورفضه وتقبله حسب موقفنا من الشخص الذي يمارسه،  وهذا يعني ازدواجية شخصية الفرد العراقي في التعامل مع الفساد بكل أشكاله وأساليبه.  فإذا كان المفسد  صديقا غضضنا الطرف عما يفعله وإن كان عدوا سخرنا كل إمكاناتنا لفضحه والنيل منه، حتى المفسد نفسه حين يقبض عليه بالجرم المشهود يدعي بأنه وقع ضحية لمؤامرة دبرها له أعداؤه،  أما  إذا وجهت أصابع الاتهام لمسؤول معين بقضايا فساد، تنبري كتلته للدفاع عنه بكل قوتها وتهدد  بالانسحاب من السلطتين التنفيذية والتشريعية وفضح فساد كتل أخرى وسرعان ما تعقد صفقة سياسية تسحب على إثرها تلك الاتهامات. 
استشراء ظاهرة الفساد بتلك النسب المخيفة لا سيما بعد سنوات التغيير  يدعونا إلى مراجعة جدية لموقفنا المتذبذب منه فأسباب تفشيه  وتأصل جذوره في المجتمع العراقي معروفة بفعل الحروب المتتالية والحصار والروتين القاتل الذي تتعامل به دوائرنا الحكومية،  إضافة إلى الفقر الذي يدفع بالموظف إلى الحصول على المال بأية طريقة وقلة الوعي لدى عامة الناس بمضاره على المدى البعيد، لكننا مازلنا نتلمس طريقنا في محاربته بالطريقة الصحيحة تمهيدا لتحجيمه ولا نقول القضاء عليه ،فالفساد موجود في كل مكان على سطح المعمورة لكن نسبه تختلف من مكان إلى آخر والعراق يحتل اليوم المرتبة الثالثة من بين  أكثر الدول التي ينتشر فيها الفساد وهذا يتطلب  معالجة جذرية تتمثل في تعديل المناهج الدراسية أولاً  وتضمينها مواد تتحدث عن الفساد وأساليبه وطرق محاربته لينشأ الجيل الجديد جيلا معافى من تلك الآفة الخطيرة،  وتفعيل القوانين التي تحارب الفساد وتضرب بقوة على يد المفسدين.

أضف تعليق

*