صدام حسين والإرادة الغيبية

25/10/2005

ليس في وسعنا بأي حال من الأحوال أن نفصل ما يجري في الكون عن الإرادة الإلهية ، الإرادة التي دائماً تقترن بحكمة معينة تتضمن مصلحة ما إما لفرد أو أمة أو للعالم ، هذا المفهوم قد لايدرك من قبل عموم الناس ، بل إنَّ العالم المادي بشكل خاص لايلتفت الى العلاقة بين الغيب والظواهر الكونية والفعاليات الاجتماعية ، ويفسر ذلك على أ سس أخرى بعيدة عن التفاسير الدينية ..ومن هنا نرى تفاوت وتعدد المواقف البشرية إزاء الأحداث ، مع أن هذا التفاوت والتعدد ينحسر بشكل كبير مع الإيمان بالغيب ، فهذا الإيمان يضع قواسم مشتركة لحركة الإنسان في الكون ، ويرسم قوانين معينة مبنية على أسس دينية تكون مرجعاً لتفسير مايحصل ، و قابلية العقل البشري (المحدودة) ضمن الإطار الغيبي تكون أكثر قدرة وقابلية على فهم الحقيقة .ويجب أن ندرك شيئاً مهماً ، وهو أن مفهوم الإيمان بالغيب لايعني مجرد (الإيمان بالله)بل يجب أن يقترن هذا الأيمان بعلاقة مخلصة وشفافة بالله وبالحق ، مع تجرد النفس من نوازع الأحقاد الدينية المتطرفة والميول الطائفية. لذا فإن غياب هذا الشرط يجعل المسلم وغير المسلم في كفة واحدة.

إذا أردنا أن نسحب هذه المعاني على ماحصل (لصدام حسين) ونناقش ذلك بتمعن فإنه يجب علينا أن نتناول الأمر من محورين لكي نصل الى النهاية المرجوة في تفسير مايحصل ، ونجيب على السؤالين التالين الأول : لماذا وضع صدام نفسه في هذا الموقف المذل؟؟ والثاني : لماذا استشعر العرب الذل لإهانة صدام ؟؟ .

السؤال الأول : أعتقد أن صدام بما يمتلكه من قدرات مالية وعسكرية ولوجستية ، يكون في وضع يمكنه من الاختفاء والتحرك والمقاومة لسنين طويلة ، وخاصة أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية وبفعل السخاء غير المحدود على قطاع خاص من الشعب العراقي ، استطاع أن يستميل الكثير من الأنصار، سواء كانوا  في المدن أو الأرياف والقصبات النائية والقرى البعيدة أو البساتين المحصنة الممتدة على ألاف الدونمات ، هذه الخاصية تجعل الإنسان في حيرة من أمره،  عندما يرى صدام وقد انتزعه الأمريكيون من جحر لاتتعدى أبعاده الأقدام المربعة القليلة.  ووفق ما عرف عن صدام من جرأة يتغنى بها محبوه ،  وإقدام ولغة نادرة في استعراض البطولات والقدرة الخارقة على تحقيق الأهداف ضد العدو ، هذه اللغة التي اقتع بها عشرات الملايين من العرب ، يفهم منها شجاعة خارقة تتعارض مع حفر ثلاثين موضعاً تحت الأرض، تأنف من البقاء فيها حتى الحيوانات ،  ويفهم من تلك اللغة أيضاً ، أن صاحبها لابد وأن يقتل واقفاً إذا ما تعرض  لمجابهة ما مع عدوه ، ويفضل ألف قتلة على الإستسلام لعدوه. لكن الذي حصل لا هذا ولا ذاك ..انقاد لعدوه ذليلاً صاغراً، مستسلماً أمام عدسة عدوه وهو يفحصه بإسلوب غاية في الامتهان ، والذي يثير القرف في تلك المشاهد أن يداه كانتا طليقتان،  فلم يحركهما بما يوحي للمشاهد أي امتناع أو مقاومة أو اعتراض ..

الآن علينا أن نحاول أن نبحث عن تفسير منطقي لهذا التناقض غير المتوقع لشخصية صدام .. وعلينا أن نضع بعض التفسيرات  ثم نناقشها،  لكي ندفع عنهه تهمة الجين الخارق ولكي نكون محايدين في تفسيرنا .. ومن هذه التفسيرات ما تناولتها بعض وسائل الإعلام نقلاً عن محبي صدام وممن كانت له علاقة وطيدة بالنظام السابق وهي ( أن صدام قد تعرض للتخدير قبل أسره ) . إن هذا الإدعاء حتى لو صح لايجرد صدام من أنه قد اختار طريق الذل مختاراً ، وأن عملية التخدير لاتشكل مبرراً للدفاع عن جبن مفرط تتسم بها شخصيته ، وذلك للأسباب التالية: أولاُ : إن من المتفق عليه ومما لا يقبل الشك  هو أن (صدام) قد وجد داخل (الجحر) ذو الستة أقدام ويقع تحت الأرض ، وأن الرئيس الشجاع اختار هذا الجحر ليكون ملجأ له بعيداً عن عيون أعداءه ، وهو لم يؤخذ بالقوة الى ذلك المكان المهين قبل تأسيره ، وهذا مما لم يحصل في كل التاريخ ، إذ لم يحدثنا التاريخ عن شخص شجاع توارى عن أنظار عدوه ليختفي في جحر تحت الأرض ، فذلك يتناقض تماماً مع أدنى قدر من الشجاعة ، يمكن أن تتصف بها أية شخصية آدمية عادية . بل أن التاريخ يحدثنا عن قادة تعرضوا لمثل ما تعرض له صدام ، لكنهم انتحروا كما حصل مع (هتلر)وغيره ، أو أن يصروا على مقارعة العدو، واقفين شامخين حتى سقطوا بين جنودهم في أرض المعركة.وليس ثمة قادة تركوا أرض المعركة ، وتخلوا عن القتال ثم ينتهوا الى جحر تحت الأرض ، يأسرون فيه بإسلوب مذل ومهين ، فإن التاريخ لم يسجل حالة كهذه إلا نادراً .

ثانياً: إن هيئة صدام أثناء سقوطه في الأسر أشبه ما يكون بأحد الدراويش،  أو أحد متسكي شوارع بومبي من المتسولين ومدمني المخدرات ، لقد كانت هيئة رثه غريبة ، بلحية كثة غيرة متناسقة وشعر أشعث كشعر المجانين ، كل ذلك عمله صدام بحاله للتخفي ، وأن ذلك ل ينم عن شخصية محترمة ولا شخصية تعتز بكيانها وتحتفظ بأدنى قدر من الكياسة ، هذه الحالة تتناقض تماماً مع شجاعة واحترام الذات ، و لا أعتقد أن أحداُ أجبر صدام على ما فعله بحالة من ديكور رث وهيئة تثير الضحك والسخرية أكثر مما تثير أي مشاعر أخرى.

ثالثاً:لقد بدا صدام بين أيدي أعدائه صاغراً مستسلماً ، مع أن يديه كانتا طليقتان وخاليتان من القيود، وأن الموقف الشجاع يستوجب على (قائد الضرورة) أن يكون متمرداً ، وكان في وسعه أن يحطم الكامرة التي كانت تصور مشاهد الذل والمهانة ، وكان في وسعه أن لايستسلم للطبيب الأمريكي وهو يصور فمه ، ويفتش لحيته وشعر رأسه. علما أن صدام وعند زيارة ثلاثة من أعضاء مجلس الحكم ، كان هادئاً مسلماً لقدره مستعداً لتقديم ما يريدون دون مقابل ، حتى أنه توسل بحراسة أن يلتقي الدكتور أحمد الجلبي ، وعندما فعلوا ، عرض على أحمد الجلبي ( ألد أعدائه) التنسيق من أجل ( وحدة العراق!!) مقابل أن يبعد عنه شبح الإعدام ، إذن (بطل القادسية) والشجاع المقدام يخشى من الموت ، ومستعداُ لكل شيء من أجل أن يبقى على قيد الحياة ..إذن أين نستطيع أن نجد دالة واحدة أو سمة أو شارة للشجاعة في مثل هذه الشخصية؟؟!!.

هذه المواقف غير المتوقعة من صدام والتي أدخلتة في مستنقع الذل ، وجعلت محبيه ومؤيديه والمخدوعين به يستشعرون ذات الذل ، هذه المواقف مع ما يمتلكه صدام من قدرات غير متوفرة لدى غيره ، كان في وسعه أن يتجنبها ، لكن القدرة الإلهية التي ارادت أن تشفي غليل الأرامل والثكالى والمظلومين، وشاءت أن لايفعل صدام ذلك ، فبدون ذلك ،من يدخل السرور والغبطة على القلوب الحرى التي أحرقها ؟ ومن يثلج صدور الثكالى ، ممن دفن صدام أبنائهن وأزوجهن أحياء في مقابر جماعية؟؟  والحكمة الأهية تأبى أن يموت صدام موتة طبيعية ، أو يقتل كما تقتل الرجال ، ليترك خلفة المظلومين دون أن يستشعروا لحظات التشفي من ظالم بطش بهم دون رحمة… فلم يشأ صدام لكن الله شاء .. لقد شاء الله أن يكون صدام عبرة للآخرين ، لقد شاء الله أن يرى العالم بأكمله هذا الطاغية صاحب العظمة والجبروت ، وهو كث اللحية أغبر الوجه يُنتزع من غار كأنه جحر من جحور الكلاب ، لقد هشم الله غطرسته وهو بذلك هشم غطرسة أمثاله من الطواغيت .. فما كان الله ليريد لصدام أن يموت كما يموت الآخرين ، فذلك ما لاتقبله العدالة الإلهية ..وكما حصل لفرعون الذي ابتلعه البحر، والأسباب الموضوعية تستدعى غيابه في البحر لينتهي في بطون الأسماك ، لكن الله أوحى الى البحر ليلفظه الى الشاطيء ، ليكون عبرة لمن بعده ..وكذلك طاغية هذا العصر، الأسباب الموضوعية تستدعي أن يضع رصاصة في رأسه وكما توقع محبوه وأتباعه ومن اتخذوه قائدا ورمزاً ، لكن الله أوقف هذه الأسباب وفعل به ما فعل بفرعون ، إذ أوحى لشيطانه أن يبقى متمسكاً بالحياة حتى ينجز الله به أمرا كان محتوما…

السؤال الثاني: لماذا استشعر العرب الذل لأهانة صدام؟

عجيب أمر هذه الأمة وهي تتخذ من شخص تافه ومجرم محترف ، أبكى بجرائمه ملائكة السماء ، تتخذ منه قائداً وتستشعر الذل الذي وقع فيه، وتتباكى عليه فهو ضميرها ورمزها ،عزتها من عزته وذلها ومهانتها من ذله ومهانته ، إن العاقل ليحار من هكذا مشاعر غريبة ومواقف يندى لها الجبين ، تدافع عن قاتل محترف وتشكل لجان للدفاع عنه ، وتخرج هاتفة باسمه ، وتغض النظر عن مئات المقابر الجماعية التي دفن فيها الملايين بلا ذنب اقترفوه .. هذا التناقض الغريب يذكرني بفترتين سابقتين مرتا على الأمة ، هذه الفترة ومن يعاصرها امتداداً لهما .. الفترة الأولى : تلك التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، حيث أن فاطمة الزهراء عليها السلام استشعرت بالظلم نتيجة لاغتصاب حقها في (فدك .. والتاريخ سجل ذلك بوضوح) ، فلجأت للمسلمين تستنجد بهم وتطرق أبوابهم في المدينة باباً بعد باب ، لكن أحداً لم يستجب لها ، فعادت الى بيتها ومكثت فيه حتى دعاها الله الى جواره بعد سبعة أشهر … وفي الفترة ذاتها أو بعد حكاية الزهراء بسنوات دعت أم المؤمنين ( عائشة .. التي أمرها القرآن أن تقر في بيتها – وقرن في بيوتكن … ) دعت الأمة لتخرج معها لقتال علي بن أبي طالب عليه السلام الخليفة المبايع طوعاً من قبل المسلمين ، فخرج معها 40 ألفاً أو يزيدون ،… الأمة ذاتها دعاها الحسين عليه السلام للخروج معة لإصلاح دين الله ، الذي عاث يزيد بن معاوية فيه فساداً ( ويزيد معروف بفسقه وفجوره ) لكن الأمة أبت أن تخرج معه إلا 73 شخصاً لاغير.. لكنها (أي الأمة) عندما دعاها يزيد بن معاوية لقتال الحسين لم تترد ، واستجاب لدعوته أكثر من 70ألفاً ..الأمة الآن إذن هي امتداد لأمة الأمويين والعباسيين .. ومازالت تعيش بتلك العقلية العاجزة عن التمييز بين الحق والباطل ، لاتميز بين فاطمة وعائشة ، ويزيد أمير الؤمنين أفضل لديها من ريحانة النبي الحسين بن علي ، وهذه الأمة مازالت عاجزة عن التفريق والفرز بين علي وعثمان طيلة 14 قرناً ، وهي مازالت تعتبر صدام حسين ، مع ما خلف من كوارث ومقابر جماعية وأرامل ويتامى ، ولي الأمر وقائدا عربياً ورمزاً ، لا يجب على أي أحد أن يهينه أو يخدش كرامته…

هذا هو موقع صدام في ضمير الأمة .. لكن لصدام موقع آخر يختلف تماماً في السنن الكونية ، والقوانين الإلهية ، أو في عرف العقلاء والمؤمنين وأصحاب البصائر،  فصدام بما يمتلك من حنكة شيطانية وقدرات مالية استطاع أن يهيأ اسباب بقائه في السلطة ، واستطاع تبعاً لذلك أن يشبع غريزة القتل التي استحوذت عليه طيلة عقود ثلاث ، فأسرف في القتل والفتك وهتك الحرمات ،  وإشعال الحروب وتفنن في أساليب التعذيب ، وبقي سادراً في الجريمة موغلا فيها حتى بلغ درجة من الطغيان ، أبت معها الإرادة الإلهية أن تستمر، ولمَّا لم يكن للإمة أي رغبة في إيقاف ذلك الفتك ، واكتفت بالتفرج أو المباركة ، فما كان من الله تعالى إلا أن يوحي الى خلق من خلائقة في أن يأخذ دور الأمة  في انقاذ شعب سحق بلا هوادة ، ودون أي وازع من رحمة أو رأفة ، وليس ثمة قدرة يمكن أن يدفعها الله بهذا الإتجاه ، غير القدرة الأمريكية ، فهي الوحيدة المهيئة لمثل هذه المهمة في هذا العصر .. ولعل ما حصل مصداقاً جلياً للحديث الشريف : إن الله إذا أراد أن ينتصر لعباده المؤمنين فإنما ينتصر لهم بالكافرين ، وإذا أراد أن ينتصر لنفسه فإنما ينتصر لنفسه بالمؤمنين .. صدق رسول الله .

أضف تعليق

*