شيعة العراق .. وأول تجربة في الحكم

الدكتور طالب الرماحي

حقاً إن السياسة لادين لها كما قيل ، وهذا يعني أنها لامبدأ ولا أخلاق تحكمها ، فهي تلهث بأصحابها وراء مصالحها ، وتغمظ عينيها عما دون ذلك ، ولعل هذه الخصلة الشيطانية هي التي دفعت أهل البيت عليهم السلام جميعاً أن ينأوا بأصحابهم بعيدا عن معتركها الملوث الذي أفسد الدنيا وما فيها . وفظلوا عليهم السلام أن يظلوا محكومين مع سلامة الدين على أن يكونوا حاكمين في دنيا لوثها الحاكمون من قبلهم ولم يعد في مقدور أحد مهما كان تقيا أن يعود بها إلى زمن الرسول الكريم ، إلا الإمام الحجة المنتظر الذي ادَّخره خالق الكون ليصلح ما أفسده السابقون على طول وعرض هذه الحياة ، وحتى الإمام الحجة لو لم يكن معصوما ومسددا بالمعاجز الإلهية لما تسنى له أن ينجح في مهمته وهذه الحقيقة يقرّها العقل والقرآن والسنة الشريفة .

ما حصل في العراق في نيسان 2003 يعتبر إنعطاف تاريخي كبير في المنطقة له علاقة مباشرة بالسنة والشيعة في منهجيهما التريخيين وفي ستراتيجيتيهما خلال مئات من السنين ، فالطائفة السنية لم تكن تتوقع في يوم ما أن العراق يخرج عن قبضتها لأي سبب كان ، ولما خرج عن طوعها رأينا كيف اهتزت عروش الحكومات الطائفية المجاورة وهي ما زالت تعيش الصدمة وردة فعل تحكمها هستيرية ،   جسدتها بشكل واضح في إعلامها المسموم ودعمها للإرهاب الذي لم يزل يحلم في أن يصلح النجار ما أفسد الدهر .

أما الشيعة العرب في العراق فإن في التغيير الحاصل آثاراً كبيرة على حاضرهم ومستقبلهم ، فهم لأول مرة في تاريخهم الإنساني ، ينتقلون إلى مواقع قيادية حرموا منها فيما سبق ، وهم بذلك يتحملون مسؤولية كبيرة ، للأسف الشديد غالبية قيادتهم الدينية والسياسية لم يدركوا حجمها وأبعادها وخطورتها ، ومازالوا يتعاملون مع الواقع الجديد بعفوية ساذجة وبعقول سياسية تقليدية تحكمها المصالح الآنية الشخصية والحزبية ، وهم مازالوا لم يتمعنوا بعد في طبيعة ما يقع عليهم من مسؤولية اتجاه الطائفة والدين والإنسانية . فشيعة العراق العرب لايمثلون أنفسهم وحسب ، وأنما يمثلون شيعة العالم أجمع ، ولذلك فإن من الأخطاء الخطيرة التي يرتكبها الرمز الديني أو السياسي أنه يتحرك من وحي تمثيله لشيعة العراق أو ضمن نطاق أضيق وهو الفئة السياسية التي ينتمي إليها أو انتخبته لتجعل منه قائداً ، وتأتي هذه المشاعر بسبب ضيق أفق تلك الرموز السياسية أو الدينية في معرفة ما يحيط بها من أعداء أو أصدقاء .

ولا نريد في هذا التقرير القصير أن نشير إلى مجمل الأبعاد الخطيرة التي ترتكبها القيادت السياسية الشيعية في هذه المرحلة الخطيرة التي تؤسس لمستقبل التشيع في العراق وطبيعة ما رسموه لذلك المستقبل فيما يخص بناء الدولة أو المجتمع ، فذلك يتطلب بحثا مفصلاً نأمل أن نتناوله في المستقبل إنشاء الله ، إلا أننا في هذا الوقت نحب أن نشير إلى واحدة من تلك القضايا باختصار وهي :

أن مذهب أهل البيت ( العرب الشيعة ) هو الثاني من حيث الحجم بين المذاهب الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي أكد بما لايقبل الشك أن فكر هذا المذهب كان مسالما لم يسجل عليه طيلة الأربعة عشر قرنا أي جريمة اعتداء على المذاهب الأخرى ، بل كان هدفا لمجازر تاريخية بدأت زمن الدولة الأموية مرورا بما فعله بهم العباسيون ووصولاً لمجازر النظام الصدامي السابق ومقابره الجماعية ، كما أن الفكر الشيعي يغلب عليه الزهد في الدنيا بسبب ابتعاده عن المناصب السياسية العليا والتي غالبا ما تكون طريقا لملذات الدنيا ، لما توفره من امتيازات دنيوية زائلة زائفة على حساب عامة الفقراء في الأمة . ولذلك فإن أهل البيت عليهم السلام ما كانوا يحبذون لأصحابهم أن يتقلدوا تلك المناصب مع قدرتهم على ذلك ، ولعل من المفيد أن نسوق مثالاً لذلك وهو أن الإمام الرضا عليه السلام ، وكان وليا لعهد المأمون لم نسمع أنه فتح الأبواب للمقربين من شيعته في تقلد مناصب في الدولة ، بل أغلق ذلك الباب قبل أن يتولى ولاية العهد ، حيث اشترط على المأمون في قبول الولاية : ( ان لا يعين و لا يعزل و لا يقضي ) لقد أدرك الإمام رغبة المأمون في إسقاط سمعة الاماميين امام الجمهور بانهم راغبون فى الدنيا و الملك و السلطان ، فلم يسمح له بتحقيق رغبته .

والذي يؤسف له أن هذا النقاء التاريخي لمذهب أهل البيت تعرض لجريمة تشويه كبيرة  في العراق من قبل الأحزاب الشيعية ورموزها السياسية ، التي أظهرت شرها على الدنيا والمناصب والرشاوى وسرقة المال العام بشكل يزكم اللأنوف ويقرف النفوس ، وهؤلاء يرتكبون جريمة كبرى سوف لن ينساها لهم التاريخ والأمة ، فهم ببضعة سنين اسقطوا نقاءا حافظ عليه المذهب قرون عديدة.

كان الأولى برموزنا الإسلامية المحسوبة على المذهب أن تعي حقيقة خطيرة سوف يدفعون لها ثما غاليا غدا أمام الله ، إذا لم يتسن للأمة أن تحاسبهم ، وهي أنهم لايمثلون أحزابهم وأنفسهم ، وأن كل مثلبة يرتكبونها تحسب على المذهب ، هذا ما أفرزته الظروف الواقعية السياسية والاجتماعية التي يعيشها العراق اليوم ، وأنا لا أقول إن على الأمة أن تعتزل السياسة وتترك للآخرين أن يتحكموا بمصيرنا كما كانوا يفعلون من قبل ، لكن الشيء الذي يطلب منهم أن يكبحوا جماح نهمهم على الدنيا والمناصب ، وأن لايضعوا معيار الولاء للحزب والشخص في اختيار الرجال ، وعزل الكفاءة والإخلاص  ، فهم بذلك ينشروا فسادا خطيرا في جسم الطائفة ، لأن المفسد سوف يشكل خلية فاسدة في ذلك الجسم المبارك الذي حافظ على صحته وسلامة سريريته قرون عديدة ، وضحى من أجل تلك السمعة الملايين من الشهداء والمظلومين عبر تاريخ قاس وصراع مرير .

ولا ننس أن الشيطان حاضر بيننا في كل حين ، يغرينا في السوء ويبعدنا عن الصلاح ، يزيده طمعا فينا أننا نتصرف وكأنه غائب عن مشاهدنا ، إذن نحن بحاجة إلى قليل من مخافة الله . ( فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ) .

*    *   *

9 Responses to “شيعة العراق .. وأول تجربة في الحكم”

  1. صالح الطائي says:

    الأستاذ الفاضل الدكتور طالب الرماحي
    تحيات عطرة بعطر العراق الحبيب ليست المرة الأولى التي تضع فيها أصبعك على الجرح وليست المرة الأولى التي يبدع فيها قلمك ويتقن فقد عودتنا على هذه الطروحات الرائعة مبارك أنت ومبارك قلمك وأطال الله عمرك لتدافع عن الحقيقة

  2. ابو حسين says:

    ما اكثر العبر واقل المعتبر عسى ولعل (يصحون على زمانهم )شكر لهذه الالتفاته الرائعه من موقع العراق الجديد موفقين بعون الله لكل خير

  3. فخري مشكور says:

    مقال رائع وبحث جاد في موضوع حساس يكمل ما كتبه الاستاذ ابو محمد في موقع الوسط في مقاله الراديكالي بعنوان “الجريمة الكبرى” الذي فعل كما فعل الاستاذ الرماحي: عرض المشكلة لكنه لم يعالجها. يبقى على كل حال جهدا مشكورا، فانارة المشكلة مقدمة لحلها، والتشخيص ضروري قبل العلاج، لكن العلاج يبقى هو الهدف في جميع الاحوال اقول لاستاذ الرماحي: تقبل الله

  4. الاستاذ العزيز الرماحي الموقر
    تحية طيبة
    لقد طالبت استاذنا بالعودة الى نهج اهل البيت عليهم السلام بالكناية , لو كان هناك من يطلب الهداية ولا يصح الا الصحيح في النهاية مودتي.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  5. Nazar says:

    من خلال قراءه بسيطه للتاريخ البشري القديم والحديث يتبين ببساطه أن القياده قبل الفكر وليس الفكر قبل القياده كما شاع في مطلع القرن العشرين فسر النجاح هو العدل فهو أساس الملك خير الكلام ماقل ودل.

  6. آل قطب الدين says:

    الكلام صحيح والاستدلالات دقيقة
    أغلق الامام الرضا باب التعيينات على نفسه لأنه لا يضمن أن الشيطان والدنيا المحرمة لا تغري أنصاره وشيعته فيسيؤا إلى مذهب آل الرسول (ص)
    ونقطة مهمة جدا ان الذي يعمل من الأحزاب والمؤسسات الشيعية لا يمثل نفسه بل يمثل مذهبا مر عليه ألف واربعمائة عام قدّم فيها شيعة آل البيت ملايين الضحايا، ولم يسعوا إلى السلطة حفاظاً على نقاء المذهب.

  7. الأستاذ الفاضل الدكتور طالب الرماحي المحترم
    سلام الله عليكم
    تحياتنا العطرة لقد اعتدنا على مقالاتك وارائك الجادة والخالصة التي تتنطلق من حب الوطن فهذه ليست المرة الأولى التي يبدع فيها قلمك فقد عودتنا على هذه المقالات الرائعة مبروك عليك ومدالله بصحتك
    أ.د.لبنان هاتف الشامي

  8. خي الكريم من خلال قراءتي للتاريخ وجد أستحالة تحقيق دولة اسلامية عادله تحكم بما أنزل الله بعد وفاة رسول الله الا مرة واحدة كان يتزعمها أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) وكانت قصيرة زمنيا ومليئه بالفتن والحروب والمشاكل والمؤامرات وذهب فيها شهداء كثيرون يقابلهم بشر من الخندق الثاني وانتهت هذه الحكومة بأستشهاد امير المؤمنين الذي كان يقول عنها ( جلدة خنزير بيد مجذوم أحب ألي من ولايتكم ألآ أني اقيم حقا وادحض باطلآ) اي مرغم على التصدي للمسؤوليه وكانت صيحته المدويه عبر التاريخ يوم ضربه ابن ملجم ( فزت ورب الكعبه) أي خلصني الله من هذه المسؤولية الانسانيه والاخلاقيه والدينية ..ولم تظهر حكومه مشابهه لهذه الحكومه بعد ذلك لحد هذه اللحظه ولن تظهر..فمن يحبه الله يبعده عن السلطة والمال فانهما حبال الشيطان التي تلف على رقاب اهلها ليجرهم الى جهنم وبئس المصير..ربنا اننا نتطلع لحكومة عادلة يقودها أمام العصر والزمان الحجه بتسديد وتأييد وتوفيق من لدنك انك على كل شى قدي..يرونه بعيدا ونراه قريبا

  9. استاذي العزيز
    كيف لم يحكم الشيعةسابقا؟ اعني في الزمن الذي لم تتورم فيه الطائفية، اعني في العهد الملكي الزاهر. الم يكن رئيس الوزراء صالح جبر شيعيا؟ الم يكن الدكتور فاضل الجمالي شيعيا؟ وقبلهما الامام الصدر كان ريسا للوزراء ايم الملك فيصل الاول رحمه الله. الشيعة حكموا العراق وكذلك السنة والعرب والاكراد والتركمان وكان نوري باشا رحمه الله قرغوليا تركمانيا ولكن الدنيا كانت دنيا خير ومحبة ولا نفس طائفي باي شئ كم من المتصرفين كانوا شيعة وسنة واكرادا ولم يسمع احدا يوما باحتجاج حول الموضوع وكان هناك حرية كبيرة نسبيا في ابداء الراي ولكن للاسف في 52 سنه نسى الناس معظم الامور وانساقوا للاقاويل التي يرددها انصار الثوار الاحرار الذين اخترعوا مبدا الاستعمار القروي للبلاد واستعباد البشر مرة ثانية ليتراقصوا ويهتفوا لكل سارق للسلطة ومتجبر على الشعب

أضف تعليق

*