فشلنا في تحويل ” المقابر الجماعية” الى مشروع وطني بينما نجح الاخر- د. ابراهيم بحر العلوم

وانا اتابع عرض الفيلم العراقي “ابن بابل” للمخرج العراقي محمد الدراجي, الذي عرض ليلة امس في ساحة الاحتفالات ببغداد بمناسبة اليوم الوطني للمقابر الجماعية وبحضور السلك الدبلوماس العربي والاجنبي وبغياب واضح من الساسة العراقيين استشعرت الامل والحزن في ان واحد.
الامل في العمل الفني الرائع العراقي النكهة ذات المهنية العالية والاخراج المتميز واللمسات السينمائية المحترفة وهي تحاول تجسيد مأساة المقابر الجماعية. ونجح المخرج العراقي في رسم صورة درامية رائعة لحجم المأساة جغرافيا حيث انطلقت احداثه من كردستان العراق الى بغداد والناصرية وانتهاءا ببابل حيث اكتشاف اكبر مقبرة جماعية في المحاويل عام 2003. واختيار “ام ابراهيم” الكردية المنشأ لتلعب دور بطلة الفليم مع حفيدها احمد لتمثل دور الضحية الباحثة عن ولدها ابراهيم في المقابر الجماعية في محافظات الوسط والجنوب كان موفقا لعكس ديمغرافية المأساة وعمقها بين شرائح المجتمع العراقي. لقد سجل الدراجي عملا فنيا بامتياز ولاول مرة ينطلق الفن العراقي ليعبر في انتاج سينمائي متطور رسالة المفقودين العراقيين للعالم وليضع قضية المقابر الجماعية في مستوى الجرائم ضد الانسانية التي تتعرض لها الشعوب على ايدى الانظمة الديكتاتورية. ومن الغريب ان نجد الفيلم الذي بدأ انتاجه في عام 2005 وعرض في العام الماضي في العديد من المحافل السينمائية الدولية وحاز عدة جوائز ورشح مخرجه لجائزة اوسكار السينمائية،  يعرض لاول مرة في العراق مثار استغراب وتسأول عما تشكله المقابر الجماعية كقضية محورية في الواقع السياسي العراقي، حيث كان من المفترض ان يكون عرضه الاول في العر اق.
الاعتراف بالخطأ فضيلة كما قيل، فقد فشلت السياسة العراقية في العراق الجديد بتحويل ماساة المقابر الجماعية الى مشروع وطني قادر على ان يشترك في رسم معالم المرحلة الجديدة. فالمقابر الجماعية تمثل رمز الاستبداد والديكتاتورية، نتاج وافراز لنظام شمولي امتهن القتل العمدي والاقصاء الجسدي الجماعي منهجا مع خصومه السياسيين كوسيلة لتثبيت حكمه.
ورغم سعة المقابر الجماعية التي تجاوزت المئات والمنتشرة في اغلب محافظات العراق غير انها لم تستثمر بالشكل السليم لتشكل القاعدة الاساسية للانطلاق نحو بناء العراق الجديد. وكأننا تناسينا ان عظام مئات الالاف من الذين ضمتهم هذه المقابر الجماعية ودماء مئات الاف من الشهداء هي التي شكلت الاساس في عملية اسقاط النظام الديكتاتوري. وتغافلنا في لحظة تقاسم الغنيمة على السلطة ان المستقبل لايمكن ان يستمر مالم نتمكن من تفعيل ثقاقة المقابر الجماعية لتترسخ عند الجيل الجديد كحالة وقائية تحصنه وتحميه من عاتيات عودة الديكتاتورية.
وكنت سعيدا جدا ان اسمع من الاخ امين عام مجلس الوزراء، ان المجلس اي مجلس الوزراء اتخذ قرارا بجلسته ليلة امس الاول بتوفير متطلبات بناء مختبرات للتعرف على  الحامض الاميني لضحايا المقابر الجماعية. واتلوى الما وانا استمع بعد عرض الفيلم الى اقتراح من الكادر الانتاجي للفيلم العراقي بشحن عظام الف شخص الى البوسنة للتعرف عليهم بسبب وجود مختبرات متطورة. انها والله ماساة العصر في بلد تكون ايراداته النفطية بمئات المليارات من الدولارات وبعد ثمان سنوات نبدأ بالتفكير بما يجب عمله. القضية لا اظنها ان هناك من يتعمد لاسدال الستار على اهم معلم لجرائم ضد الانسانية في القرن الحالي. نعم هناك غياب لبناء ثقافة سياسية ترتكز على جوهر المعاناة العراقية لتشكل ركيزة وضمانة مستقبلية لحماية النظام السياسي العراقي. انني اخشى من التيه السياسي الذي يجعل التجربة العراقية السياسية في مهب الريح بسبب فقدان الاولويات. ان المسؤولية تقع اولا على كاهل مؤسسي الدولة العراقية الجديدة عليهم ان يعوا ان حماية المستقبل السياسي لا يتم باعادة مؤسسات الجيش والشرطة لحماية المواطن فحسب وانما بتجذير مفهوم الحرية والديمقراطية عند الشعب. وان عملية ترسيخ المفاهيم قد تجد اقصر الطرق في تجذير مضاداتها في اللاوعي العراقي فتصبح الواقي المضاد لاي تداعيات مستقبلية.  نعم اقول لم يؤخذ الموضوع حجمه من اجندة الساسة العراقيين والدليل على ذلك هو ماساة المقابر الجماعية كرمز للديكتاتورية حيث  لم يتم العمل لوضعه كبرنامج لمشروع وطني قادر على جمع العراقيين نحو هدف واضح وبدون لبس وتشويه وهو العمل على عدم عودة الديكتاتورية. لقد افتقد العراق القدرة السياسية على التنظير بصياغة المستقبل كاستراتيجية وانشغل الجمع بالتفاصيل والجزئيات وبقيت الكليات والتي تشكل الاساس في حركة المجتمع غائبة عن المشهد السياسي. اقولها وانا لست متشائما او شامتا ولست منطلقا من عواطف تدغدني بسبب انتمائي الى هذه “المقابر الجماعية” بل يصبح ذلك من دواعي الافتخار والاعتزاز ولكني اقول اذا لم نتمكن من نستثمر الحدث بشكله الواقعي السليم ليشكل جزءا من حياة المواطن اليومية ومفردة لا تغيب عن ذهنه فلايمكننا من التعويل على نجاح التجربة السياسية. هذا هو التحدي الذي يواجه العراقيين اليوم، لقد نجح الاخوة الاكراد في هذا المسعى فتحولت حلبجة والانفال الى مفردة من الثقافة الكردية وهناك اصرار منهم على استثمارها للحد الاقصى وحسنا ما يفعلون تلك هي المفردة القادرة على توفير الحصانة لهم. اما نحن عرب العراق فقد فشلنا في رسم خارطة لضمان المستقبل رغم امتلاكنا الارصدة التي تركها لنا ابناء العراق في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. ارصدة ادخار للاجيال اقوى بكثير من ارصدة الذهب الاسود التي لا نعرف حتى الان كيف نديرها لرفاهية الشعب. ولا غرابة في ذلك فالذي يفشل في ادارة ارصدته في كنوز “المقابر الجماعية” وتحويلها الى ضمانة لحياة افضل يصبح غير قادر على ادارة ايرادات النفط المتبخرة ولا اقصد في حديثي جهة معينة بذاتها وانما كل الكتل السياسية المتصدية.  لا اريد في دخول متاهات مذبحة “هولكوست” من صحتها او عدمها غير ان اسطورتها تم التأسيس عليها ويحاسب القانون اليوم في بعض الدول من يتنكر لها. اما نحن الذين اكتوينا بنظام فاشي شمولي افرز ماسي كبرى ومنها المقابر الجماعية فتلك حقيقة وليست اسطورة عشناها باعيننا فاذا لم نتمكن من تحويلها اليوم الى رمز يستقر عند عتبة كل باب عائلة عراقية في الجنوب والوسط والشمال ويلوح براسه عند كل ملتقى سياسي او مؤسسة سياسية تدعي مصلحة العراق فسوف يصعب على الاجيال المستقبلية حفظ هذا الرصيد الكبير من العذابات العراقية.
نردد دوما وننصح انفسنا بعدم هدر المال العام باعتبارنا ” امناء عليه” وعلينا انفاقه في المكان الصحيح لخير الناس، في موازة ذلك علينا عدم اهدار الرصيد العراقي الكبير المتمثل بالمقابر الجماعية فهو ذخيرتنا في بناء العراق وكنت سعيدا وانا اقرا تصريحا لاحد الاخوة النواب بادخال مادة المقابر الجماعية في المناهج الدراسية. ويبقى محمد الدراجي وامثاله من المبدعين والمخلصين تمثل اعمال فردية لا ترقى الى منظومة متكاملة تأتي في سياق منهج متكامل لخلق ثقافة سياسية يكون محورها المقابر الجماعية لتحصين الواقع السياسي وديمومة التجربة.
وانا اتابع عرض الفليم العراقي المبدع تمنيت من “الشبكة العراقية ومجلس امنائها التعبئة لعرض الفليم وتشجيع العراقيين لانتاج امثاله وكذلك اتمنى على وزارة الثقافة ان تخصص جزءا من ميزانيتها لتحويل مفردة المقابر الجماعية الى جزء من الثقافة العراقية على شكل اعمال فنية تنهض بالحدث. ويبقى الامل كبير في يعضد مجلس الوزراء دور وزارة حقوق الانسان لـتأخذ دورها في الكشف وتحصين المقابر الجماعية. وارى من المناسب جدا ان تتبنى رئاسة مجلس النواب عرض فليم “ابن بابل” في الجلسة الاولى لافتتاح الفصل التشريعي الثاني كاستذكار للاخوة النواب “ممثلي الشعب” بان عظام الالاف العراقيين وجماجمهم كانت الاساس في تحقيق امنيات العراقيين فلايكونوا جاحدي الفضل وينغمسوا في سجالاتهم السياسية غير المجدية، لعلها تذكرة مفيدة وان الذكرى تنفع المؤمنين. جعلنا الله من المؤمنين بخدمة العراق وشعبه.

One Response to “فشلنا في تحويل ” المقابر الجماعية” الى مشروع وطني بينما نجح الاخر- د. ابراهيم بحر العلوم”

  1. محمد says:

    الاخ كاتب المقال المحترم

    تحية طيبة ….

    للعلم فقط انه توجد في معهد مختبرات فحص الحامض النووي (DNA)خاص بفحص رفات ضحايا المقابر الجماعيةو قد تعمد البعض اغفال دور معهد الطب العدلي و مساهمته الرئيسية في التعرف على هوية الضحايا كم يتعمد البعض الاخر بالضغط لغرض اجراء هذه الفحوص في دول اخرى على الرغم من توفر التقنية داخل البلد
    وللاسف الشديد فان اغلب السياسين يتخذون من ماسي المقابر الجماعية وسيلة ودعاية اعلامية لتحقيق متكسبات شخصية
    ففي الوقت الذي يتباكون على شهداء المقابر الجماعية و الانفال لم يقم اي منهم بزيارة هذه المختبرات و الوقوف عن قرب لمعرفة طبيعة عملها ومستوى التقدم الذي وصلت اليه و عدد حالات الرفات الذي تم التعرف عليها والصعوبات التي تواجه هذا العمل….. اخي الكاتب العزيز هذا هو عراق اليوم الذي بنى فيه السياسيون و اصحاب القرار امراطورياتهم على ضحايا المقابر الجماعية وماسي عوائلهم

    اتمنى منكم زيارة هذه المختبرات في معهد الطب العدلي للانصاف كما فعلت بعض القنوات الفضائية الاخرى

    شكرا لكم

أضف تعليق

*