سلطات الفساد العربي – كاظم فنجان الحمامي

سيان عند الديكة (الديوك) المغرورة في قريتنا الصغيرة, أكانت واقفة فوق كومة القمامة, أم خائضة بقوائمها المغمورة في أوحال السواقي, فهي تصر على ممارسة هواياتها في التبختر والغطرسة الفارغة, متباهية بريشها الملون, متفاخرة بطراوة أعرافها ومرونتها, شامخة بمناقيرها, بارزة صدروها, رافعة رؤوسها, صاخبة بصياحها في بيئة تعج بالنفايات والفضلات, ثم تمشي على مهلها بكبريائها المعهود رغم وقوفها وسط المستنقعات الآسنة, ولا تظهر أي اهتمام لتعليقات الطيور من حولها, مع أنها لا تملك حرية الصقور, ولا جمال الطواويس, ولا صوت البلابل, ولا خفة العنادل, بل أنها لا تستحق أن تكون من الطيور, لأنها لا تطير أبدا إلا لبضعة أمتار, وعند الضرورات القصوى.

وما أشبه تصرفات الديكة بسلوك الأنظمة العربية, التي سقطت منذ زمن بعيد في مستنقعات الفساد, وغرقت في أوحال الرشاوى, والعمولات المالية غير الشرعية, لكنها ماانفكت تتظاهر بالعفة والشرف والنزاهة والطهارة, وتتجلبب بجلباب الورع والتقوى, وتتباهى بانجازاتها الوهمية, ووعودها الكاذبة, على الرغم من تبوئها المراكز الأولى  في الترتيب العالمي للفساد, خصوصا بعد أن ضرب الفساد أطنابه في عموم البلدان العربية, وتغلغل حتى النخاع في هياكلها الإدارية, وتشكيلاتها الوزارية, بشهادة المنظمة الدولية للشفافية, وصار الفساد هو الوجه القبيح لمعظم الكيانات العربية القائمة على الباطل, وان أي محاولة لمحاربة الفساد تعني التمرد على تلك الكيانات والخروج عن طاعتها, فالفساد بالنسبة لها الركن الأساس الذي ترتكز عليه, والدماء التي تتدفق في عروقها, حتى أصبح العفيف في نظر الأنظمة الفاسدة منبوذا, والنظيف مرفوضا, وانقلبت المعايير العامة رأسا على عقب, واضطرت السلطات الحاكمة إلى مضايقة كل من يسعى إلى تطبيق الحد الأدنى من قواعد التدقيق والمراقبة والمحاسبة, وغالبا ما يكون مصيره الإحالة إلى التقاعد قبل بلوغه السن القانونية, أو حرمانه من استحقاقاته الوظيفية.

وهكذا تمددت إمبراطورية الشر والفساد واتسعت وتضخمت, وتألق الفاسدون والمفسدون, وتزايدت سلطاتهم وثرواتهم, وطغوا في الأرض طغيانا لم يسبق له مثيل, حتى قدرت المنظمة العربية لمكافحة الفساد حجم الأموال, التي سرقت ونهبت وأهدرت في البلدان العربية خلال الخمسين عاما الماضية بأكثر من ألف مليار دولار, وهو رقم فلكي يعكس حجم الإسراف والفساد الذي بلغته الأمة العربية, ويعبر عن حجم الأضرار الفادحة, التي دمرت عجلة التنمية, وأسهمت في تردي الأوضاع المعيشية, وانحراف مسارات القطاعات الإنتاجية نحو الحضيض, وظهور كيانات عربية ضعيفة ومهزوزة, فكثرت الفجوات في هذه الكيانات الأسفنجية الرخوة, حتى طفح الكيل, وكان من الطبيعي أن تتفجر الثورات والانتفاضات والاحتجاجات في ظل تفشي ثقافة الفساد المستشرية في كل مكان, وفي ظل غياب العدالة الاجتماعية, واتساع الفارق بين النخبة الغنية المتسلطة, وبين الأغلبية الفقيرة المسحوقة.

ألف مليار دولار سرقها الحكام العرب وزبانيتهم من المال العام خلال نصف قرن من الجوع والحصار والفقر والقهر والتخلف والجهل والأمراض والبطالة, ألف مليار دولار كانت تكفي لإصلاح الواقع المأساوي في  قارة أفريقيا برمتها, وتكفي لتغطية نفقات إعمار البلدان العربية والإسلامية الرازحة تحت خط الفقر منذ ما يزيد على ألف عام.

لقد تمادى المفسدون في فضائحهم المالية والأخلاقية, وانتشر الفساد انتشار النار في الهشيم اليابس, حتى تعطلت مصالح الناس في العالم العربي, وتدهورت أحوالهم من سيء إلى أسوأ, وارتفعت وتيرة الظلم والتعسف, ولم تلتزم السلطات العربية بأبسط مبادئ العفة والنزاهة والقيم النبيلة, التي كانت سائدة في مهد الحضارات البشرية, وأرض الرسالات السماوية, في حين قطعت الأقطار غير الإسلامية شوطا كبيرا في الرقابة والتدقيق ومكافحة الفساد, ومن نافلة القول نذكر أن احد رؤساء كوريا الجنوبية السابقين أقدم على الانتحار بمجرد توجيه تهمة الفساد له ولزوجته, فاختار قمة جبل شاهق ليرمي نفسه من فوقها, وقرر الموت انتحارا بمجرد اكتشاف أمر فساده, ليغسل هذا العار عنه وعن زوجته. أما عندنا فصار الرجل المسئول يسرق قوت الناس, ويبعثر الأموال العامة على ملذاته, ويسرف في النهب والسرقة, ثم يحصل في نهاية المطاف على  التكريم والتقدير والثناء الكبير, في الوقت الذي يتعرض فيه الشرفاء إلى أسوأ أساليب الإذلال والاهانة والتهميش.

وصدق سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم عندما قال: (( ستأتي على أمتي سنوات خداعات يكذب فيها الصادق, ويصدق الكاذب, ويؤتمن الخائن, ويخون الأمين, وينطق فيها الرويبضة, قيل: وما الرويبضة؟. قال: الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة)).

أضف تعليق

*