رسالة من السجناء إلى المعارضة العراقية – الدكتور طالب الرماحي

قراءة في زمن المعارضة العراقية (2)

  أدناه ( رسالة من السجناء إلى المعارضة العراقية ) وتأتي بعد نشر ( رسالة من الشهداء إلى المعارضة ) في الحلقة السابقة ، وقد نشرت هذه الرسالة ضمن ( صحيفة الرسالة الإسلامية  العدد الثامن كانون الثاني 1998 ) . وأنا أقدم هذا المقال تنفيذا للوعد الذي قطعته للقاريء الكريم ، ومن أجل أن نسلط الضوء على طبيعة الأحزاب قبل سقوط النظام السابق ، والتي تحكم العراق الآن ، لنرى مدى التفاوت في طبيعة علاقتها مع الأمة ( من قبل ومن بعد ) ونعتقد أن الحال لم يتغيير كثيرا ، فالقوم الذين يغلبون مصالحهم ويهمشون أو يستخفون بمن لايقدم الولاء لهم أو لأحزابهم ، كانوا يمارسون الدور نفسه مع من يحيط بهم وبالشهداء أو المضحين داخل سجون النظام ، والغريب الذي أحب أن أؤكده وقد كتبت عنه الكثير ولدي من الوثائق ما تكفي لبيانه هو أن حزب الدعوة الذي سبق وأن اشاح بوجهه عن السجناء والشهداء زمن المعارضة ، هو الآن يمارس نفس الدور في تهميش أكبر جريمة ارتكبها النظام السابق وهو جرائم المقابر الجماعية ، وكلنا ندرك أن تهميش هذا الملف يعني تهميشا لأكثر من نصف مليون شهيد دفنوا في المقابر الجماعية وهو أيضاً مصادرة متعمدة لحقوقهم وحقوق ذويهم .. ولا أعتقد أن عناصر حزب الدعوة وحدهم من مارس ذلك بل أغلب الشخصيات في المعارضة أنذاك كانوا وما زالوا يمارسون دورا سلبيا بالنسبة لشعبنا العراقي المظلوم . إن فشل المعارضة العراقية خارج وداخل الحكم يدعونا إلى المطالبة بفتح ملف للتحقيق في مدى شرعية وكفاءة من يحكم الشعب العراقي الآن ، وخاصة بعد ثبت فشلهم في تقديم الخدمات وتفشي الفساد وسرقة المال العام مما كرس حالة الفقر والتخلف لدى شعبنا المظلوم .

العدد 8 كانون2 1998

رسالة من السجناء إلى المعارضة العراقية

بسم رب السجناء والمعذبين …

إخوتنا .. رموز قضيتنا …

نكتب إليكم رسالة صفحاتها فصلت من قلوبنا ، وحبرها من دماء أوردتنا ، فأنتم أعلم أنه حرم علينا القرطاس والقلم ، في اللحظة التي حرّم علينا فيها كل شيء ، وجُردنا  ، وسُلبت فيها حريتنا ورمينا في غياهب سراديب وأقبية لا ترقى في ظروفها وأبعادها للسجون التي يحبس بها المذنبون أو الخارجون عن القانون في أي مكان آخر من هذا العالم . إنها حفر أو زنازين ، بل هي قبور ونحن فيها أشباه موتى ، يلونها ليل مستديم صامت ، جدرانها تزخر بخطوط ورسومات لاتثير في النفوس غير الخوف والرعب ، أنها تتحدث عن مصير  مجهول لمن سبقونا ، سجوننا مجهولة العنوان والمكان ، لكننا ندرك جيدا أنها ليست في أي مكان غير العراق ، أنها محطات عذاب وترقب ، ننتظر بعدها السفر إلى العالم الآخر ، عالم أصبح لدينا حلما ورديا ، تتطلع إليه قلوبنا المعذبة بالشوق واللهفة بعد أن أدركنا أن لاأمل غير رحمة الله ، أقفال زنازيننا آمنة في أبوابها ، ومفاتيحها في جيوب جلادينا .

نحن لانريد أن نريكم في رسالتنا هذه صورة قاتمة تعكر صفو حياتكم ، وتنغص عليكم سعادتكم وخاصة أخوتنا الذين يعيشون في بلاد الغرب ، وينعمون في وسائل الراحة في بيوت مكيفة ، ويجتمعون في مراكز مزخرفة ، يتحدثون بكل شيء إلا عن آلامنا وما سيؤول إليه غدنا ، فليسمح كرمكم لنا أن نصرخ بكم من خلال هذه الرسالة  فنقول لكم ( نحن هنا .. نحن هنا ) انتبهوا لنبراتنا المخنوقة وحشرجات صدورنا التي يملؤها الرعب ،  لحظة واحدة ، نقول لكم فيها : أن لكم أصحاب طريق منسيون ، وشركاء قضية سبق إليهم القدر من بينكم .

كنا نعتقد أنكم تحملوننا هماً يعذبكم ومسؤولية تستنهض فيكم العزم ، ومضاعفة الجهود لتحرير الوطن ، لكننا ومع مرور السنون ، لم نر أثر لذلك ، وكأننا رقم مهمل في حساب القضية ، حتى احتفالاتكم ومهرجاناتكم تمر علينا مر الكرام ، ونحسب أنها تأنف من ذكرنا . نعم تنتظرون خبر إعدامنا ، فإذا ما تناهت إلى أسماعكم أخبار نحرنا ، تستيقظ في دواخلكم الحمية فتحزنون ثم ترثون أرواحنا ( بكليمات ) تتخللها حسرة أو حسرتان  ، اعتاد أن يتبرع بها مسؤول الدار أو المركز ، وصاحب التجمع أو الحزب ولطالما كان ذلك في ختام المهرجان ، أو أن تقيمون – دفعا للحرج – مجلسا خاطفا للفاتحة على أرواحنا التي خلدت إلى الراحة بعد رحلة العذاب المريرة .

لقد اعتادت الشعوب – يا رموز قضيتنا – أن تفخر بسجنائها ، لأنهم أعطوا حريتهم للوطن والعقيدة ، وهم تحدوا الطواغيت وصرخوا في وجهه ، ووضعوا دمائهم في متناول سيف السلطان ، ولأنهم قضية حية ، فهم ذريعة الطالب وإدانة للمطلوب … لكن ذلك الفخر لاتعيشه القيادة المسؤولة الواعية المخلصة أحاسيس مدفونة في الصدور ، ولا مدامع في المآقي ، ولا هي مجرد خطب على المنابر ، فتلك ردود فعل لاتدعو إلى الفخر ، فالمطلوب شيء آخر غير الحزن والتباكي ، بل حتى الفخر  لوحده يسقط في معادلة صراخ الجراح وأنين النفوس المعذبة ، ويصبح أداة للهرب وذريعة للعجز والتخاذل ، وهو لايكفي لأن يكون وفاءاً لمن سبقكم في العطاء ، إلا إذا اقترن ذلك الوفاء بعطاء آخر يستمد لونه من من دماء الجراح … الشعوب من حولنا أيها الأخوة ، درجت أن تجعل من السجين ( صرخة مدوية ) في مسامع الظالمين ، وبيرغ تجلب به انتباه الآخرين ، فحملته شعارا ناطقا حقيقياً ، وأقامت من أجله الندوات وحشدت لإنقاذه الطاقات ، وشكلت من أجله والدفاع عنه اللجان ، وهي تدرك أنه يموت بين القضبان في كل يوم مرات ومرات ، تفعيلاً لقضيته التي هي قضية شعب وأمة … فأين لجانكم تلك ؟ – يا أصحاب الطريق وشركاء القضية – أخبرونا عن مسيرة جابت ربوع المدن التي تنعمون بها ، تهتف بخلاصنا وتفضح جلادينا وتطالب بوقف نزيف جراحنا ، حتى نقول أن لنا إخوة قد فعلت شيئا من أجلنا ، ويخفف ذلك بعض آلامنا ويمسح شيئا من يئسنا ، ويبعث فينا أملاً نحن في حاجة إليه ، فإذا قضينا تحت سياط الجلادين ، لا نكون عليكم عاتبين ولانضعكم يوم القيامة في قائمة  الصامتين عن الحق أو المتاجرين به .

قبل فترة وفي ساعات قليلة مرعبة  ، حصد الجلادون منا ألفاً أو يزيد ، لقد اعتاد النظام أن يفعل ذلك بين فترة وأخرى ، وكما درجت طبيعته الإجرامية في أن يروي ظمأه من دمائنا ، ولا نريد أن نصف لكم  تلك اللحظات ، فهي للخيال أقرب منه إلى الحقيقة ، لكنكم تعلمون أيضاً كيف يقتل جلادوا بغداد خصمائهم ، لقد غبطنا الراحلين عنا إلى بارئهم ، وخلفونا مع العذاب وراء ظهورهم ، ، لكننا اعتقدنا أن خبر مقتلهم – وهو مقتلنا – أيضاً يشحذ فيكم الهمم فتتحركوا باتجاهنا ، وراح بعضنا يردد : لعل إخوتنا – قادة مسيرتنا – عندما يتناهى لمسامعهم خبر تلك المجزرة الجماعية ، سوف يصعقون حزنا ، أو لعلها تنتشلهم من سباتهم ، وحتما سيقلبون الطاولة بوجه العالم ، سيدعون إلى اجتماع حاشد – وكما تفعل المعارضة لدى شعوب العالم – عندما تهان في مقتل أبنائها أو يغتال بعضها ، وحتما ستدعون مراسلي الأنباء لتغطية الحدث ، لأنكم أدرى بأهمية الإعلام في هذا العصر ، وطبعاً سترفعون نداءات لمنظمات حقوق الإنسان ، ومجلس الأمن والشخصيات العالمية المهمة الأخرى لتبينوا للجميع  فداحة الجريمة ، ولتبينوا لنا ولهم قلقا كبيرا على من تبقى في أقبية وزنازين البعث الرهيبة ، لابد وأن يفعل كل ذلك فعله وتصرخوا بوجه العالم أن اليد المجرمة التي تعبث بأرواح الشعب لم تكن وحيدة في الميدان بل أن هناك ند يقف بوجهها ، ويحصي عليها جرائمها ،  ويرقب غيها وبطشها الذي ستحاسب عليها حتماً .. كنا نظن أنكم ستفعلون كل ذلك من أجلنا ، ليفهم العالم أننا شعب له رجاله الأشداء ، أكفاء لهم ثقلهم في ساحة الوغى ، وليس هم مجرد ركام من نفعيين ومصلحيين ، ينظرون لقضاياهم نظرة الوصولي ، ولا يحسنون إلا الخطب الرنانة والوعود الجوفاء ، جمعهم بدد وجلساتهم خاوية من الجد ، وصفحات نشراتهم تسودها المقالات التافهة ، كتبت لإثبات الوجود ، ورش الرماد في العيون – نعم ياقادة وأصحاب السيادة – لم يكن يدر في خلد أحدنا أن مواقفكم منا ونحن أحياء كما هي مواقفكم منا ونحن قتلى ومجزرين بيد الأعداء – فلم تحرك فيكم تلك الجريمة حمية من دين أو وطن ، بقيتم صامتين صمت الموتى ، تنتظرون قوائماً لشهداء أخرين ، نعم ترقبون جلاد بغداد أن ينظف سجونه منا ، ليرسل ما تبقى إلى قبور جماعية مجهولة ، لينتشلكم من مسؤلية الدفاع عنا أو المطالبة بفك أسرنا ، أن صمتكم – يا سادة – أشد على رقابنا من منطق سيوف البعث وأشد ألما على ظهورنا من سياط الجلادين ، لقد طفقنا نشك في مصداقيتكم كمعارضين لنظام القتلة في بغداد ، وأي سياسة تمارسون أيها الإخوة ، وقد عجزنم من أن تسجلوا أي حضور في ساحة القضية ، فالسياسي من برع في اقتناص عثرات عدوه ، وأجاد في كشف مظلومية شعبه ، والسياسة فن لايجيده المتطفلون ولا أولئك الذين لايجيدون إلا عبادة الذات ، والهروب إلى العافية … لقد آن الأوان أن تضعوا أهواءكم جانبا وتفكروا بآلامنا ، قبل أن يفوتكم النصر ، لقد حان الأوان أن تضربوا التخاذل بسياط المجد ، وتطعنوا التردد برماح الإقدام .. فمأساتنا تمتنع عن الكبت ، ونخشى أن تكون مشاعركم – كما هو بينٌ – قد تلبدت وران عليها غمامُ حب الدنيا ، وانتظار حصاد ما ستنبته دمائنا وجراحنا وآلامنا ، نأمل أن بقايا من إخلاص ما زال يتردد على ضمائركم ، فالتحقوا بالركب ، ولا تمحوه بالتسويف .. والسلام ..*   

2 Responses to “رسالة من السجناء إلى المعارضة العراقية – الدكتور طالب الرماحي”

  1. د.عبد اللطيف الماجدي says:

    لم يعد في العراق اليوم من شيء يحمد عليه،العراق بلد كل شيء فيه يجري على غير نظام.تتحكم فيه الأنانية والحزبية المقيتة واصحاب المصالح الخاصة،فهم والشعب على طرفي نقيض ،فهل من هؤلاء يرتجى الأمل؟حادثة تاريخية دكرني بين حالتين حين طلب كوكس الفاتح البريطاني للعراق من نخبة ثورة العشرين عام 1918ان يرتضوا مشروعه الاستعماري (فرق تسد) مقابل المال والامتيازات وكل ما يرغبون.وقفت المعارضة للحكم العثماني موقفا ضد كوكس يشابه موقفها من العثمانيين برفض المشروع.لكن ما سمي بالمعارضة العراقية متمثلة بمؤتمر لندن ومجلس الحكم سيء الصيت في العراق عام 2003 قبلت مشروع بريمر دون معارضة الا واحدا هو المرحوم عزالدين سليم.من يقبل تدمير الوطن بكامله محاصصة وطائفية مقابل المال والامتيازات يرتجى منه الموقف الوطني والانساني من المعارضين الدين قتلهم صدام.الدولة الان دخلت بمنعطف خطير لن تحله التوافقات السياسيةالكادبة والمشاركة الباطلة.فحدود العراق متفق عليها مع الاخرين واموال العراق المنهوبة هم مشتركون فيها ،وتصفية العلماء والكفاءات بأوامر منهم يجري تنفيدها،وهم الآن غرقى لا مانع من حرق العراق من اوله الى اخره كما قالهاصدام لن اسلم العراق الا ارضا.اخ رماحي مع التقدير لشخصكم الكريم عليك ان تفتح صفحة جديدة في تعرية حكام الوطن وقاتلي شعبه ومدمري ثروته ومستقبله،اعتقد ان الرباعي الدي يتحكم بالعراق اليوم هم:المالكي وعلاوي والطالباني والنجيفي.اعتقد ان العراق اليوم بحاجة ماسة الى تشكيل مجلس حكم معارض في الداخل والخارج تمهيدا لعزل من يحكمون اليوم عن سلطة الشعب وتوعية المواطنين لكل ما يجري في الوطن المغتصب من قبل الاعداء جميعا.فالعراق اليوم يباع ارضا وشعبا في سوق النخاسة.

  2. آخی وآٍستاذي الدكتور طالب الرماحي الطيب
    ان جريمة إعدام السجناء في سجن أبوغريب قد تم الإعلان عنه عن طريق الصحافة ( طريق الشعب ) لسان الحزب الشيوعي العراقي وكنتَ وقتها في الأردن .. وفي مقالك أخي لم تشير الى من نشر وفضح هذا العمل الإجرامي وللتصحيح كان العدد ألف وثمانمائة وليس ألفان وثمانمائة .. هذا ماقرأناه في وثائق الحزب الشيوعي العراقي ولك جزيل الشكر يا صديقي العزيز

أضف تعليق

*