رسالة حسن العلوي إلى رئيس الوزراء نوري المالكي

في ازمة غريبة على تاريخ العراق السياسي غربة الديمقراطية التي تعلقنا بأطرافها ونحن كلانا في هذه الشيخوخة .. وغربتها عندنا هي الفة حياة يومية في ديمقراطيات العالم منذ قرنين على الاقل .. فحيث تُشكل الوزارات او تسحب عنها الثقة تحت قباب البرلمانات  .. فقد تشكلت وسقطت تسع وخمسون وزارة في العهد الملكي العراقي الموصوف بالاقرب للنظام البرلماني داخل قبة البلاط الملكي وليس داخل قبة البرلمان ..فيما تشكلت وزارات العهد الجمهوري منذ اكثر من نصف قرن بأوامر عسكرية .وحيث يقيم مقامكم الكريم وهي منازل اهلنا في كرادة مريم والتي اغتصبتها الحكومة السابقة وحولتها الى مستوطنة خاصة بها قبل ان يسميها الاعلام الامريكي بالمنطقة الخضراء … شهد المكان سبعة انقلابات عسكرية ونهوض وسقوط ما لايقل عن عشرين وزارة .. لم يكن الناس يعرفون شيئاً عن قيامها او رحيلها .ولهذا تكتسب الازمة الحالية معالي القيم الديمقراطية حيث صوت البرلمان في دورتين انتخابيتين لمقامكم الكريم رئيساً للوزراء .. وهو اي مجلس النواب يتحرك الان لجلسة حل الوزارة التي اختارها وهذا حق له.. بل هو الحق الوحيد الذي يجعل النظام القائم مختلفاً عن تاريخ طويل من الاستبداد .. فأين هي الازمة ..؟  واين هو الاشكال .. ؟ وما هذه الضجة ..؟ لاسيما  انه بجانب اي حكومة منتخبة في النظام الديمقراطي والبرلماني توجد معارضة منتخبة مثلها تسعى لكسب الاصوات لحل وزارة وتشكيل اخرى .. لكن مثل هذا المشهد مرفوض في تربيتنا الثورية التي نشأنا عليها والتي تعتبر ان مجرد فكرة التصويت لاختيار الزعيم مؤامرة يستحق من يفكر بها حكم الموت العلني مثلما ماحدث في مجزرة اب 1979 في العراق واعدم عشرون قيادياً من  خيرة من انجبهم حزب البعث.. فهل نحن مقبلون على مجزرة انتخابية  ام ترانا مقبلين على عرس ديمقراطي لم يشهده استبدادنا الشرقي ..اخي الرئيس المالكي ..لقد عشنا في شظف الحياة مجاهدين ومناضلين ومعارضين لربع قرن فوق ارض بلاد الشام العربية وقد عرفتك منذ ذلك التاريخ رجلاً ترك امره وحياته لله وللناس .. وعندما زرتك وانت رئيس وزراء برغم مابيننا من خلاف لم المس شيئاً قد تغير فيك .. وهذا شأن النفوس الكبيرة .. وقد ادرت البلاد في ظروف صعبة  عز على غيرك النجاح فيها .. حتى تحول خصومك اليك .. لكن الامر قد اختلف في ولايتك الثانية.. وقد صارحتك بحضور الزملاء اعضاء الكتلة البيضاء عند تشرفنا بمقابلتكم بأن ولايتك الثانية تتعثر وانك كنت في الاولى افضل منك  في  الثانية .. وقد نشرت هذا الرأي في وسائل الاعلام على عادتي .. فيما الاصل بأن الولاية الثانية هي فرصة واسعة يجول فيها المسؤول بعد تجربة الولاية الاولى لتحقيق ما عجز عن تحقيقه سابقاً وهذا هو حال كل من ينتخب مرتين في الديمقراطيات الغربية ..ولقد تحدثنا في لقاءات ثنائية عن اسباب هذا التعثر واتفقنا في تشخيص بعض اسبابه واختلفنا في تشخيص اسباب اخرى.. وتمنيت عليكم ان تتركوا بصمات كالتي تركها عبد الكريم قاسم.. واخلصت المشورة كأعادتي مع من يستشيرني .. وكنت كلما اقترحت عليك امراً لصالح الناس وتمشية امورهم .. حتى للفقراء من السكان الاصليين والاصحاب السابقين للمنطقة التي تسمى الان بالمنطقة الخضراء .. فأن مصير هذه المقترحات والمطالب العادلة الى ضياع.. حتى اخذتني الشوكك بعد عامين من التجربة المستمرة  معكم ان الامر لا يعدوا ان يكون اما ان لرئيس الوزارء توقيعين واحد للمحظيين من محيط الحاشية  يتحول فيه اشباه الاميين الى اصحاب  سعادة ومعالي .. واخر يضع احلام المساكين رهناً بأيدي موظفين في مجلس الوزراء لم يعرفوا حب الناس ولا حب الخير ولا الولاء للرزق ولا لرب العمل ..وكأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد حذر من هذا الطراز من البشر في قوله الشريف ” ان من الناس ناساً مفاتيح للخير.. مغاليق للشر .. وان من الناس ناساً مغليق للخير  .. مفاتيح للشر”.. اما تمثيل المكونات العراقية في مجلس الوزراء والكتل السياسية فيكاد ان يكون بالنسب الدنيا سواء على مستوى اثني ام مذهبي ام سياسي .. وهذه حالة مصادق عليها في الانظمة الثورية ومذمومة نهائياً في اي نظام يؤمن بحقوق متساوية لمكوناته هذه .
اخي الرئيس.

انك كقاريء لتاريخ العراق ادرى بأن الزعامة لم ترتبط يوماً بمنصب رئيس الوزراء فاعظم زعماء العراق لم يكونوا رؤساء وزارات مثل محمد جعفر ابو التمن وكامل الجادرجي ومحمد مهدي كبه وصديق شنشل .. ولهذا ونحن في هذا الملتقى وليس المفترق اتمنى ان تستمر زعامتك لتيار سياسي واسع وان تكون كما كان حال رؤساء الوزارات في العراق الملكي الليبرالي حيث يتحول نوري السعيد من مكلف بتشكيل وزارة الى مكلف بمنصب وزير خارجية فيها ويتحول توفيق السويدي من وزير خارجية مرشح عند نوري السعيد الى رئيس وزارء يشاركه ثلاث رؤساء وزرارات سابقين بمناصب وزارية .. ان الامر مرتبط بك وانت ادرى بمنهجنا السياسي.. ثورياً ام ليبرالياً فعند الثورين يتحول الاصفار الى الهة والالهة الى اصفار وفي النظام الديمقراطي، الناس سواء لا الهة ولا اصفار .
لم اكن في تاريخي السياسي ولا مرة واحدة الا مخلصاً لطبقتي الاجتماعية .. وهي الطبقة التي نشترك فيها معاً والتي وصفها المفكر الفرنسي عمونؤيل ساييس بأنها كل شيء .. وتسأل وماهو دورها .. فأجاب لا شيء .. وماذا تريد ان تكون.. فأجاب ان تكون شيئاً.. هذه الطبقة التي عقدت علينا الامال خذلناها عندما لم نشكل محكمة لمعاقبة المفسدين.. واللصوص.. والذين اصبحوا بين عشية وضحاها من طبقة الملاك الكبار. ان حاشية رئيس الوزراء وبضمنه ديوان وكوادر مجلس الوزراء وبضمنه كوادر كان بعضها ذا شأن في الثقافة  والسياسة والجهاد لم تجرء حتى بالهمس بقول رأيها بأن النظام البرلماني لا يتحمل ان عائلة رئيس الوزارء متنفذة .. ولهذا هاجر مارك ابن السيدة تاتشر الى الولايات المتحدة عندما اصبحت امه رئيسة للوزراء في بريطانيا .. ولكن يجتمع في النظام الثوري حبائباً واقارباً .. وحواشياً وورثة وحكايات لا يقرأها الناس الا في قصص الف ليلة وليلة .. انهم اذا تغير رئيس الوزارء بأخر قد يكتبون شيئاً من هذا الذي اكتبه الان وانت في سدة الرئاسة.. ان لك حزباً منظماً وبأمرتك قيادة القوات المسلحة وتحتفظ بأصوات بالبرلمان قد تحول دون سحب الثقة او قد تخفق.. ولكنها اصوات جليلة.

اني اتمنى لهذه الطبقة السياسية وحكومتها ان تتوارى عن الانظار .. برغم قناعتي ان الحكومة التي ستلي حكومتكم قد لاتكون افضل من سابقتها لفساد الطبقة السياسية التي تنتج الحكومات وقد يأتي على يديها الخير للناس.. وقد نتحسر على رئيس وزارء بمستوى المالكي بالرجولة والتواضع .. وفي التاريخ الطويل من الجهاد.. وان ترأس وزارة قد اخفقت من ست جهات.. اما اذا لم يحصل مشروع سحب الثقة على الاصوات المطلوبة فسيتحول التصويت الى مهرجان لتعزيز الثقة بوزارتكم وهي فرصة نادرة للاصلاح على ان يبدأ الاصلاح بالمحيط الاقرب وبالدوائر الصغرى وان يستهدف مغاليق الخير حتى تُشرع ابواب الدولة للفقراء والمستحقين.. والسلام عليكم ورحمة الله

حسن العلوي

النائب عن بغداد / كرادة مريم

أضف تعليق

*