دعاة السلطة.. الخوف من المسؤول – سليم الحسني

أولى حزب الدعوة الاسلامية في نشراته ومناهجه الفكرية والتربوية، أهمية كبرى للموقف المبدأي، وحرص على تربية أفراده على أساس القيم الاسلامية في توجيه كلمة الحق، وتسجيل الموقف الرسالي، دون محاباة او مجاملة او استحياء لأنها من الأعراض المرضية للشخصية المهزوزة، فيما يؤكد الحزب على بناء الشخصية الاسلامية الواثقة. كما تحدثت ثقافة الدعوة عن صفات الداعية، والمؤمن القوي، والرسالي الشجاع. ويرى فكر الدعوة ـ وهو فكر اسلامي ـ  أن السكوت على الخلل مهما كان بسيطاً فانه يلحق ضرراً بالغاً بالحركة بأسرها، لأن الحالات المرضية لا تنشأ دفعة واحدة، إنما هي تراكمات صغيرة يجري التغاضي عنها لأسباب قد تكون مصلحية او شخصية، ثم تتحول الى مرض عضال يصيب جسم الحزب، وحدد الحزب في نشراته علاجات واقعية منطلقة من المنهج القرآني وسيرة الرسول (ص) والأئمة الأطهار عليهم السلام، في كيفية معالجة الخلل، ونقد الظواهر السلبية، مع التأكيد على شعور الثقة بالنفس والإحساس بالمسؤولية الشرعية، والتوافر على الشجاعة الأدبية.

 تلك الجهود المضنية التي بذلها القادة التاريخيون للدعوة والتي كتبوها في النشرة المركزية وتحدثوا بها في الحلقات التنظيمية والمحاضرات الخاصة والعامة، وشجعوا الدعاة على تداولها وترويجها كثقافة اخلاقية اسلامية، أثمرت عن أجيال من الدعاة، يقفون بثقة ليواجهوا مسؤولاً حزبياً بالنقد فيما لو وقع في خطأ معين.

 وكان المظهر البارز لتلك الروح الشجاعة تظهر في الندوات الحزبية الخاصة، وفي مؤتمراته العامة، حيث يتساوى العضو القيادي مع أي داعية داخل المؤتمر، فيتعرض للنقد والمساءلة، ويبدي رأيه بوضوح مؤيداً أو معترضاً، متفقاً مع هذا القيادي أو رافضاً لرأيه، ويجري كل ذلك في جو إيماني صادق، وبروح إسلامية واعية تعبر عن تماسك الدعوة وإلتزام ابنائها بنهجها الفكري والعملي.

 ومن أجل الحفاظ على قوانين الدعوة ومثلها واخلاقياتها، فقد نص النظام الداخلي على تشكيل لجنة (الانضباط والتقييم الحزبي) بصلاحيات واسعة تسمح لها محاسبة القيادة واعضائها، والاستماع الى أبسط داعية في الهيكل التنظيمي، واعطت الحق للدعاة بتقديم شكاواهم ضد أي داعية اخر بصرف النظر عن موقعه في الحزب، وكثيراً ما استدعت اللجنة قياديين وكوادر بارزة، بطلب من دعاة في بداية السلم التنظيمي، فانصفت صاحب الحق، وفرضت على الآخر الاعتذار والتراجع عن الخطأ، كما انها كثيراً ما غيرت مسؤولين واعضاء لجان واستبدلتهم بغيرهم، لأنها تلقت شكاوى الدعاة واستمعت الى وجهات نظرهم وتقييماتهم.

 وعندما يكون هذا الواقع هو السائد داخل أجواء الحزب، فان دعاته يتصرفون خارجه باخلاقياته، يتمسكون بمبادئه الإسلامية، فيقولون كلمة الحق بشجاعة وثقة، ويواجهون الإنحراف والخلل بالمواقف القوية الحكيمة.

 في إحد الاجتماعات المعتادة بين وفد من قيادة حزب الدعوة مع مسؤولي (قراركاه نصر) الذي كان مسؤولاً عن الملف العراقي وشؤون المعارضة، طرح احد القياديين موضوعاً مهماً تناول مرجعية السيد فضل الله رحمه الله. وموضوع كالمرجعية يعد قضية مهمة ولها أولويتها في الأوساط الشيعية، ولها أهميتها الخاصة في إيران وتداخلها مع موقع السيد الخامنئي. وقد كان الجو السياسي العام في إيران لا يرغب بمرجعية السيد فضل الله، وهذا ما جعل قيادة الدعوة تواجه مشكلة جديدة في علاقاتها مع الحكومة الإيرانية القلقة أساساً.

 في ذلك الإجتماع وجه الأخ القيادي كلامه الصريح للمسؤولين الإيرانيين، وقال لهم بالحرف الواحد: (لن نتخلى عن السيد فضل الله حتى لو انتزعتم منا اللحم عن العظم). وواصل حديثه الواثق والشجاع، مبيناً ما يعنيه السيد فضل الله بالنسبة للدعوة، وما تنظر اليه الدعوة كمفكر حركي إسلامي يقدم الفكر المعتدل الأصيل، ويثقف الأمة على الأصالة والمفاهيم الصحيحة، ويضخ فيها الوعي والحركية.

 تحدث الأخ القيادي بمنطق الداعية الرسالي فقد قال كلمة الحق في رمز اسلامي كبير له دوره المشهود على مدى عقود من الزمن، وشكل ظاهرة فكرية وحركية في العالم الإسلامي، بل في عموم الساحات الفكرية والثقافية.

 مثل هذا الكلام كان من الممكن أن يعرضه لمضايقات كثيرة، لكنه انطلق من روحية القائد وشجاعة الحريص على مستقبل الفكر ودور المفكر في الحياة الاسلامية، بعيداً عن الحسابات السياسية وما تترتب عليها من ربح وخسارة مادية. وقد أبدى الدعاة الذين بلغهم ما حدث تقديرهم لموقفه، كما ان السيد فضل الله رحمه أبدى إعجابه بهذا الموقف وقد اتصل بي هاتفياً قائلاً : (لم أكن أرغب بان يتحدث (…) بهذا الكلام لكي لا يقع هو أو الاخوة في القيادة بإحراجات، ولكن يبدو أنه وجد أن المسؤولية تقتضي هذا الحديث)، وسأكتب عن قضية مرجعية السيد رحمه الله ضمن ذكرياتي معه وتصوراته للعمل الحركي ومشاكل الدعوة.

 مضت على هذه الحكاية أكثر من عشر سنوات، حدث خلالها التحول في العراق، وبحكم موقع هذا الأخ القيادي فانه دخل الجو القريب من رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، وهو أمر طبيعي وإيجابي من أجل تقديم الرأي والنصيحة والملاحظة لأمين عام حزب الدعوة، فشخصية بهذه الشجاعة والرسالية ستقدم بلا شك الكثير، وستكون عيناً راصدة ولساناً ناقداً لأي ظاهرة سلبية، ولأي خلل يحدث نتيجة ممارسة السلطة من قبل الدعوة.

 لم يحدث ماهو مطلوب منه ومن إخوانه القياديين الآخرين، فقد برزت ظاهرة تبعث على القلق بشكل ملفت، إذ يحاول عضو القيادة إرضاء المسؤول الحكومي الكبير، بل أن الأمر وصل الى إرضاء مشاعر أبناء المسؤولين الكبار.

 ذات مرة ارتبك هذا الأخ القيادي وهو يتبادل التحية مع داعية قديم، وقال مبرراً ارتباكه، بانه كان يخشى أن يراه ابن مسؤول كبير في مكتب السيد رئيس الوزراء، لأن الداعية الآخر كان معروفاً بنقد الظواهر السلبية.

 إنه نموذج بسيط، وقد تكون الحادثة غير   ذات أهمية لكنها وطبقاً لمفاهيم الدعوة ومتبنياتها تعد، ظاهرة تستدعي التوقف، خصوصاً اذا ما كانت هناك وقائع أخرى حدثت مع آخرين.

 أصدقاء ودعاة قدماء، حدثوني عن احاديث جرت بينهم وبين قياديين في حزب الدعوة، شكوا لهم الممارسات الخاطئة، وقدموا لهم الملاحظات الموثقة، فكانوا يصمتون أو يجارونهم في الرأي، دون أن يبادروا بالتصحيح، أو يعدوا بالعلاج. وقد سمعت من بعضهم أنه يشكو من سطوة أبن مسؤول وتصرفاته، لكنه يعجز عن البوح بها، أو الاعتراض عليها.

 عندما يتحول القائد في الحزب الى شخص يخاف من ابن مسؤول حكومي، كيف يمكن لنا ان نثق بقيادة يفترض بها ان تدير شؤون التنظيم والحزب وتتفانى من اجل مصلحة الدعوة ورسالتها؟.

 وعندما يدرك القائد أن هناك اخطاء كبيرة تقع، وتترك آثارها السلبية على سمعة حزب الدعوة، دون مبادرتهم الى التصحيح والمعالجة، فكيف يمكن لنا ان نصفهم بالقادة؟.

 هل تحول المنصب الحكومي الى كيان مهيمن على الرأي والقناعة والموقف؟.

 ظاهرة ملفتة للنظر، والنماذج عليها كثيرة بكثرة اللقاءات والمشاهدات التي حصلت مع الدعاة، حين التقوا على مدى السنوات السابقة بدعاة السلطة.

 كان أحد الدعاة وفي مؤتمرات عديدة ينتخبه المؤتمرون لعضوية القيادة، لما يتمتع به من قابليات فكرية وكفاءة تنظيمة وأخلاق عالية، لكنه يعتذر بشدة عن القبول، ويقدم استقالته منذ الإجتماع الأول، لأنه يشعر بأن هذه مسؤولية كبيرة، ومن يتحملها عليه أن يعطيها حقها كاملاً.

 لقد حدث بعد السقوط عام 2003 تحول كبير، والصمت يعني التفرج عليها وهي تتلاشى فلا يبقى منها سوى الاسم.

أضف تعليق

*