خسروا ونحن أيضاً خسرنا – هاشم العقابي

لا جدال في ان العراقيين قدموا من الضحايا في مواجهة طغيان صدام الدموي، ما لم يقدمه اي شعب من الشعوب العربية التي صار صوتها يعلو اليوم بوجه الظلم. لقد انتفض العراقيون على صدام في العام 1991 وجوبهت انتفاضتهم بأقسى وسائل القمع الفاشية وهم وحدهم يقارعونها دون دعم عربي أو دولي. تمكنت الانتفاضة من كشف وجه صدام الإجرامي، لكنها ظلت بحاجة الى القشة التي تقصم ظهره فلم تحصل عليها.

صار واضحا ان تلك “القشة”، المطلوبة لإسقاط اي دكتاتور فاشي، ستظل بعيدة المنال دون تدخل أو اجتياح عسكري خارجي. وان كنا قد سمعنا عن شعوب ثارت وحررت نفسها بنفسها، فهذا أمر لا ينطبق على كل الأزمنة. ففي الماضي لم يكن الحكام يمتلكون ما يملكه طغاة اليوم من أسلحة دمار لا حدود لها، لذا كان يمكن للشعوب ان تسقطهم بالعصي والسكاكين كما حدث في الثورة الفرنسية. أما اليوم فالطاغية تحت أمرته طائرات ودبابات وأسلحة جرثومية وكيماوية وضمائر تستعملها لا تعرف الرحمة ولا الانسانية. فمن اين يأتي الشعب المقهور والمذبوح بما يعينه على الوقوف بوجه تلك القوة؟ وما يحدث اليوم في المنطقة العربية يثبت ان كل طاغية دموي لا يمكن ازاحته من قبل الشعب من دون تدخل عسكري خارجي.
وهكذا صبر العراقيون 12 عاما تحت الاحتلال الصدامي بانتظار من يعينهم على كسر تفوقه العسكري عليهم واستفراده بهم حيث لم يكن هناك إعلام يهتم بهم ولا جيران يناصرونهم. لا ندري ان كانت هي الأقدار ام جهود المعارضين لصدام في الخارج، جعلت أمريكا، وهي الدولة الأقوى في العالم، تتبرع لإزاحة صدام من على صدر العراق. قد يقول قائل انها لم تفعل ذلك لسواد أعيننا أو فعلته لمصلحتها الخاصة، وكل ذلك قد يكون صحيحا. لكن الواقع هو ان الشعب ان لم يزحف معها لكسر ظهر الطاغية، فانه ترك صدام لوحده في مواجهتها يشرب مرارة كاس سقوطه. الشعب، اذن، كان راضيا.
ومن ينكر اننا بدون الاجتياح الامريكي كنا سنتحرر من ظلم صدام وبطشه، فهو اما من صنف المدمن على العناد أو ممن لا يهمه ان يظل العراقيون يكابدون المر والعذاب والقتل الى قرون قادمة أخرى.
من جانبي اقدر كره الصداميين للأمريكان لانهم اسقطوا من يدهم السلطة وما بها من امتيازات وحرموهم من ممارسة غرائزهم السادية التي ما كان سيشبعها غير إذلال الشعب وسفك دمه ودفن أبنائه وهم أحياء تحت الأرض. لكني يصعب علي جدا ان أتفهم كيف ان من كان يصعب عليه حتى تنفس الهواء بحرية في أيام صدام، يريد معاقبة من خلصه منه بدلا من ان يشكره؟
انا لست ضد من يقول ان امريكا لديها “دكايك كشر” بحق الشعوب. ولا أريد ان أغالط نفسي واقول انها ملاك نزل من السماء، فهي شأن غيرها من الامم تخطئ وتصيب. لكن يظل لها في اسقاط صدام وتحرير العباد من بطشه حسنة، حتى وان انكرها أهل الأرض جميعا، فان أهل السماء حتما لن ينكروها.
وسيرحل الأمريكان من العراق، شئنا ام أبينا. عاجلا ام آجلا. سيرحلون وقد خسروا كثيرا من الأرواح والأموال. وكذلك خسروا معنويا بعد ان وجدوا حتى الضحية التي خلصوها من جلادها  لم تشعر نحوهم بالامتنان.
حزين أنا على شعبي الذي سيخرج من المولد بدون حمص لانه لم يحسن الاستفادة من فرصة سقوط الطاغية. وللحديث بقية.

أضف تعليق

*