حكومة فقراء أم مصنع أثرياء ؟!!

الدكتور طالب الرماحي

17 تموز 2010

مرة أخرى تخرج قرنيها إلى السطح قضية منح قطع أراضي للبرلمانيين المنتهية ولايتهم  في مناطق مهمة في بغداد وعلى ضفاف دجلة . بمساحة 600 متر لكل واحدة ، هذا ما أكدهأحد ممثلي المرجعية في النجف طالب السيد المالكي بعدم توزيع تلك الأراضي بعد أن تأكد إصراره على تحقيق هذه الرغبة ، ويبدو أن هذا الطلب جاء ، بعد أن شعر الجميع أن ذلك مخالف لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود المجتمع العراقي وهو أيضاً تحد فج من قبل الحكومة لمشاعر الطبقات الفقيرة .

ونحن نتساءل عن الأسباب وراء إصرار الحكومة على منح البرلمانيين قطع أراضي غالية الثمن وفي أماكن مهمة في بغداد ، مع أن الجميع يمتلكون من الامتيازات المالية ما يجعلهم في غنى عنها ، ومن منا لا يعلم أن الجميع يسكنون في مساكن فارهة سواء كانت في بغداد أو المحافظات أو في الخارج ، وماهي الإنجازات التي أنجزها أولئك البرلمانيون للشعب طيلة السنوات الأربع الماضية والجميع يعلم أنهم قد فشلوا في ترك أي بصمة خير يفخر بها ، وإذا كنتُ مغال فعلى أي واحد منهم أن يدلني على تلك البصمة ؟ الحكومة تطلب من أمانة العاصمة أن توزع على البرلمانيين مساحة 150000 ألف متر مربع داخل بغداد يكفي ثمنها لإيواء آلاف العوائل التي تسكن في خرائب وفي أحياء من الصفيح أو تلك التي تعاني من غلاء الإيجارات في المحافظات .

لماذا تصر الحكومة على منح البرلمانيين كل تلك الإمتيازات و لغة الأرقام تؤكد أن كل نائب  يكلف الدولة وخلال الدورة البرلمانية من ( أموال الفقراء والمعدمين ) ما يقرب المليون ونصف المليون دولار ، وخلال دورة برلمانية واحدة سيدفع البلد للبرلمانيين خمسمائة وثمان وعشرون مليون دولار ،  ولماذا لا تمتلك تلك الحكومة الحماس نفسه في توفير سكن متواضع للعراقيين الذين لايمتلكون دار سكن ، وهل أصاب الحكومة الصمم عن التقرير الأممي الذي يذكر أن 23% من ابناء الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر ، وأن 40% من هذا الشعب لايمتلك سكن خاص به ، أو ليس أ ولى بالحكومة أن تشعر المعدمين برعايتها وهم الذين ذاقوا شظف العيش طيلة عقود وأعطوا من التضحيات الكثير ، وجازفوا بحياتهم خلال السنوات السبع الماضية من خلال تحديهم للموت والمشاركة في صنع الديمقراطية التي أصبحت بقرة حلوب لفئة قليلة من السياسيين فيما بقوا هم يسيرون على الطريق نفسها من الحرمان والعناء ، بعد أن بقي السياسيون منشغلين من قبلُ ، أوكما نراهم اليوم في الصراع على المناصب وتقاسم الإمتيازات الدنيوية .

نحن نعلم أن ثقافة رئيس الحكومة وثقافة حزبه إسلامية استقها من ثقافة أهل البيت ، فإين تلك الثقافة ، أم أنهم يعيشون حالة انتقالية خطيرة في الفكر والممارسة السياسية والإنسانية ؟ ، أفلم يقرأوا كيف كان عليٌ عليه السلام يتصرَّف مع بيت المال ، وهل كان يفضل نفسه وعائلته أو أحد أصحابه على عامة المسلمين ، أولم يعطي القميص الأفضل لخادمة ( قنبر ) ويحتفظ بالمتواضع لنفسه ، نحن لا نطلب من منتسبي حكومتنا أن تفعل بسيرة علي عليه السلام ، فذلك شرف لايمتلكه إلا من حباه الله توفيق طاعته ، وهذا التوفيق لن يناله غير مستحق له ، والاستحقاق لن يأتي قب ل أن تمتلك النفس القناعة والغنى، وهذا الغنى الإلهي يستعصي على من كان جائعاً ثم وجد نفسه أمام قصاع من ذهب ، ويذكرنا ذلك بقول أمير المؤمنين عليه السلام : لاتطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق ، بل اطلب الخير من بطون شبعت ثم جاعت ، لأن الخير فيها باق .

فلا يحق لرموز الحكومة أن تدوس بأقدامها على مشاعر الفقراء والعامة من الناس ، وإذا كانت الحكومة ومنتسبيها تتخذ من بساطة الناس ستاراً تختفي وراءه ، فأعتقد أن من بين هذا الشعب المظلوم الكثير من الفئات المثقفة والواعية والتي تراقب ما يحصل وهي تمتلك من الأحاسيس ما يجعلها تستشعر مرارة الإستخفاف الحكومي والانتهاكات المادية الخطيرة وعلى المستوى السياسي والاجتماعي  ، وسوف تختزن تلك الظلامات حتى يحين وقت القصاص العادل .

ومما يثير العجب في سياسة الحكومة هو التناقض في التعامل مع شرائح الشعب ، ففي الوقت التي تستشيط رغبتها في منح البرلمانيين المتخمين بالمال والامتيازات وقطع أراضي متميزة وبفترة سريعة تبقي قانون الهجرة والمهاجرين بكل فقراته التي كتبها النظام السابق ومنها منح قطعة الأرض وفق مكان الولادة وليس وفق مكان التسجيل ، ناهيك من أن المهاجرالعائد عليه أن ينتظر عدة سنوات قبل أن يمنح قطعة أرض بائسة في مكان ناء لاقيمة لها .

 نحن نحذر من ظاهرة خطيرة يجب الانتباه إليها ، ففي السنوات الأربع الماضية  ، وبسبب النهب المنظم للمال العام والفوارق الخطيرة في الرواتب التي يتقاضاها المسؤولون الكبار ودوائرهم القريبة ، تكونت في العراق طبقة ارستقراطية ، راحت تنمو بشكل مهول على حساب الطبقة المعدومة ،  وتشير بعض الدراسات إلى أن تلك الرواتب الضخمة وعمليات النهب للمال العام من قبل الكثير من أصحاب الشركات الوهمية التي تتعامل معها بعض الوزارات والأحزاب ، قسمت العراقيين إلى طبقة أثرياء تعيش ترفاً لاحدود له وطبقة من الفقراء تعاني كل أنواع شظف العيش .

وأحب أن اختم مقالي بالتذكير من أن من يتقاظى أكثر من حقه ، انما يعتدى على حقوق الآخرين من الفقراء والمعدمين ، وهو سحت حرام بكل المقاييس الدينية والإنسانية ، ونحن عندما نقول ذلك نشعر بكثير من الأسى ونحن نرى إخوة لنا في الإيمان قد سقطوا في هذا المستنقع الدنيوي الخطير ، ولعل القرآن نبه عنه قبلنا عندما خاطب المؤمنين بشكل صريح : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) .

نعم لقد كانت السنوات الماضية امتحانا ميز الله  فيه القوم ، وما تختزنه القلوب أصبح منقوشا على الجباه .

أضف تعليق

*