حزب الدعوة و جواد خليفة

3/10/2006

ولا تبخسوا الناس أشياءهم – صدق الله العلي العظيم

خلال المسيرة الجهادية للقضية العراقية والتي امتدت سنوات طويلة عجاف كان هناك الكثير من المجاهدين الذين تعاملوا مع القضية بصدق وكرم وإخلاص ، (منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) ، الذين اختارهم الله وقع أجرهم على الله ، أما الذين تمسكوا بطريق ذات الشوكة الى الآن ، كان لزاما على رفقاء المسيرة أن يتعاملوا معهم بمقاييس الشريعة والإنسانية ويشعروهم بلذه النصر وثمرة الجهاد ، أما أن يُرموا وراء الظهور ، ويٌتنكر إليهم بشكل يمقته الخلق الإسلامي ويأباه الحس الديني ، فهذا أمر يدعوا الى  الأسف الشديد … لقد تنصل ( القادة المؤمنون) أصحاب الطريق والقضية عمَّن كان يقارع نظام صدام معهم كتفا لكتف ، وأنستهم المناصب والفضائيات والغرف الرسمية الفاخرة والسيارات الفارهة أولئك الذين كانوا يتقاسمون معهم في ( معسكرات التدريب) وأزقة قم ومشهد ودمشق ودول أخرى في شرق العالم وغربه شظف العيش والخوف والبكاء على الأهل والوطن ورائحة العراق الذي كان يحترق . هؤلاء المخلصون قد أعطوا  (كل شيء) للدين والوطن وللدعوة التي كانت ميدان جهادهم ومسرح عبادتهم ، لكنهم و ( بفضل ) أنانية شركائهم في طريق ذات الشوكة لم يحصلوا ( على شيء)…

و البطل ( جواد خليفة ) والذي كان يكنى  (بأبي عبد الله)  نموذجا من عشرات النماذج التي رميت وراء ظهور قادة ( حزب الدعوة) ، لكن هذا الرجل قد يختلف عن الكثير من المؤمنين المجاهدين ، لأنه كان يتميز بكرم إستثنائي وحس إسلامي مرهف وطيبة نفس قل مثيلها وتحمسا صادقا ومخلصا ( للدعوة ) وأفكارها ومسيرتها ، لو وضعته في الميزان لرجح على تحمس كل من يتقلد المناصب الآن في العراق من كوادر الحزب . لقد كان من المضحين الأوائل للدين والوطن وحزب الدعوة الذي كان يعتبره ثمرة من ثمار جهاد الشهيد السيد محمد باقر الصدر ، ولمَّا كان نشطا وقويا في ذات الله رصدته أجهزة النظام السابق في أواخر السبعينات ، ووضعت خطة لإلقاء القبض عليه ، إلا أن المشيئة الإلهية حالت دون ذلك ، واستطاع أن يفلت بجلده ويغادر العراق الى دولة مجاورة ومن ثم التحق بعائلته التي هي الأخرى هربت لدولة مجاورة أخرى . صادر البعثيون منزله وغيبوا زوج ابنته قبل أن يعدموه ويخفون جثته عن أهله ، لكن تلك المصائب لم تهد من عضد هذا الرجل الشجاع وبقي في طريق ( ذات الشوكة ) مجاهدا نشطا لا يدخر أي جهد من العمل في صفوف حزب الدعوة ، لقد أمضى سنوات طوال في العمل بين صفوف المجاهدين ، وعندما رجع الى قم حيث كان يسكن ، اتخذ من هذه المدينة ميدانا لجهادة وكرمه ونشاطه في كل الميادين الإجتماعية والسياسية ، ولعل أكثر ما كان يتصف به هي النفس العالية والهمة الجبارة التي لا تكل ولا تمل من العمل ، لقد كان داعية بامتياز ، وكان لايتواني من تكرار أن الدعوة أمل العراق وشعبه ، وهي التي سوف تنقذ الوطن الأسير من قيود حزب البعث ، وما كان أحد يجرؤ على انتقاد الدعوة ولا الدعاة في حضرته ، وعندما يحرجه البعض  بسلبيات بعض رموز الحزب يسارع في البحث عن ذرائع ليخفف على المقابل ألمه وتحامله ، لم يكن ( الحاج جواد خليفة ) يحب الدعوة وحسب وأنما كان يعشقها.

عندما تعرفت عليه لأول مرة في مدينة قم سنة 1983 وجدت فيه من الخصال الإنسانية والقيم الإسلامية ما لم أجد عند غيره ومن وقتها قررت أن لا أترك للظروف أو الزمان أن تحيل بيني وبينه . وكنت أتابع أخباره حتى تناهى لي أن الرجل قد انتقل بعد انهيار النظام البعثي السابق الى المدينة التي غادرها قبل ربع قرن خوفا من بطش ذلك النظام ، إنها المدينة التي كان يتغنى بها ويسهب دائما في سرد ذكرياته فيها ، إنها مدينة النجف الأشرف مدينة الأحباب والأهل والأجداد والمجد وذكريات الطفولة والشباب.

لمَّا هُزم النظام السابق ، اسرعتُ بعد شهرين الى مدينتي ( النجف ) وفي قلبي شوق إليها كذالك الذي اعتمل في قلب ( جواد خليفة ) ، ولم يدعني شوقي إليه أن أنتظر كثيرا ، فسرعان ماوجدت نفسي واقفا أمامه ، ولما رآني بادرني بابتسامته الجميلة التي يفوح منها عطر إيماني وإخلاص رباني ، عانقته وكدت أن أبكي فرحا به ، لكني شعرت بألم يعتصر قلبي وقد رأيت أن ذلك العنفوان الإيماني والنشاط الإلهي قد خفت لديه وأن المرض قد أخذ منه مأخذا كبيرا وسلب منه حتى ذاكرته ، ورأيت ابنه ( عبد الله ) وهو كأبيه مجاهد ومخلص . كانت العائلة في ذلك الوقت قريبة العهد بالمجيء للعراق ، زرته مرة أخرى ثم غادرت الى المملكة المتحدة … وتكررت زياراتي للنجف وكنت في كل مرة أذهب لرؤيته لأطمئن على صحته ، حتى رأيته أخيرا وقبل أشهر معدودة ، وكنت أظن أن حزب الدعوة سوف يقوم بالواجب ( الإنساني ) وبالوفاء ( الحزبي ) أزاء هذا الرجل الذي أعطى حياته كلها له .. لكني لم أر أثرا لذلك وأنا أتمعن في ظروفه المعاشية القاسية ، وعندما سألت زوجته عما إذا جاء أحد من ( الدعوة ) لزيارته أو تفقد حالته ، ابتسمت بابتسامة ذات معنى ثم قالت : لم يسأل عنا أحد غيرك …  حتى إبنه عبدالله لم يعر له أحد من الدعوة أي اهتمام ( والمرء يكرم في ولده ) .. شعرت بخيبة أمل مريرة .. واقتربت من الحاج ( جواد خليفة ) وحاولت أن أختبر ذاكرته  فسألته : هل تتذكر الدكتور الجعفري ؟ فنظر في وجهي وابتسم ثم قال : إنه حبيبي …. لقد فاجئني برده فقلت في نفسي : إن الرجل مازال متمسكا بطيبته ووفائه للدعوة ، ومازالوا هم متمسكين بأنانيتهم ودنياهم الجديدة…..ه

أضف تعليق

*