ثلاثية الحقوق الشرعية والزهد والمؤتمن – 2

أخي القاريءالكريـــم : التغيرات التي حصلت في العالم كبيرة وفي عراقنا العزيز أكبر، والمستقبل يحمل لنا الكثير من المفاجئات ، ونحن فقط المعنيون بكل ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى قد هيأ لنا ولأول مرة عبر تاريخنا الطويل مقومات ( نهضة مقدسة تنقلنا الى مصاف الشعوب المتطورة الأخرى ) ، فإذا لم نحسن الأداء ونبادر الى تصحيح سريع لكل أخطاء الماضي في كل مجالات حياتنا، وإذا لم نمتلك الشجاعة الكافية في الإنقلاب على واقعنا المريض فإننا سوف نفقد هذه الفرصة التي قد لا يُسمح لها أن تعود كرة أخرى ، إن ماورد في مقلات ( الثلاثية ) لايستهدف أحدا بعينه بسوء أو تجريح ، وأنا اعتمدت على (التلميح ) في تناول اخطاء خطيرة ترتكب بحق الشعب والطائفة ، ولكن قد اضطر في المستقبل الى ( التصريح ) إذا استوجب الأمر ذلك ، وهذا لا يستهدف شخصا بعينه بقدر ما يستوجبه ( المقام ) من سرد بعض الأمثلة التي توضح جسامة بعض الأخطاء ، وخاصة أن المصلحة العامة هي فوق مصلحة ومشاعر الأشخاص ، وأن بؤس وحرمات الطبقة المسحوقة من أبناء شعبنا أكثر قدسية من ترف فئة معينة.  د.طالب الرمَّاحي 

 بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم   

 ثلاثية الحقوق الشرعية والزهد والمؤتمن

   (القسم الثاني)  

 الإقتصاد .. عصب حياة الأمة ، له أثر مباشر على اسلوب حياتها وغير مباشر على سلوكها ورفاهيتها وبؤسها ، ولذا فإن الأمم إذا ما تعرضت الى أزمة اقتصادية أو انها تعيش حالة من الطموح (المتطرف) فإنها تتجاوز الأعراف السماوية والإنسانية أو قيمها الى (الغزو للإستحواذ) على مصادر خيرات الآخرين ، وقد شهدت البشرية أمثلة صارخة على ذلك ، ومازالت تمارس هذه الإخلاقية الى يومنا هذا، ولعل المثال الصارخ الحاضر هو ما مارسته بعض الدول قديما وحديثا من نهب وسلب لخيرات امم أخرى ومنها أمتنا ، إن هذه صفة متأصلة لدى الأمم (كما هي متأصلة لدى الفرد) وتتحرك ذاتيا في (وجدانهما) ، فهي إحدى وسائل الصراع من أجل البقاء على كوكبنا ومنذ جعله الله تعالى موطئا لقدم الإنسان ، لكن السماء ومن خلال الديانات التي تواترت كبحت جماح الرغبة في (استلاب حق الغير) وبينت مخاطرها فهي تشيع الكراهية وتعمق الفوارق الطبقية ، وهي الى كل ذلك صفة قبيحة عالجتها الأديان السماوية بنظم العمل المشترك والجد والاجتهاد والتعاون مع الآخرين من وحي المصالح المشتركة …وإذا كان غياب هيمنة الدين على الأمم يمنحها حرية أكثر في التمادي باستلاب حقوق الأمم الأخرى ، فإن غياب الهيمنة قد تمنح الحرية ذاتها للأفراد في الأمة الواحدة في استلاب حقوق الآخرين في الأمة ذاتها ، لكن الأمم وفي مقدمتها ( الأوربية) وفي ظل غياب الدين ،أدركت خطورة (الإستلاب والظلم ) على تقدمها وتطورها ، فلجأت الى إحتكام القانون في ظل الديمقراطيات الحديثة فكانت هذه الديمقراطيات سببا في  تفجر الوعي الإنساني وولادة الحضارات في العصر الحدي ، فيما بقيت شعوبنا تعيش نوعا من الضياع بعد أن رفضت أن تحكم الدين ولم تجد البديل.

 هذه المقدمة تفيدنا في معرفة أن لدى الإنسان ( كأمة وكفرد ) إصرار على التغيير نحو الأفضل ، وهذه (الديناميكية) الإنسانية والتي يطلق عليها في الإسلام ( سنة التدافع ) ، لا تستطيع قوة في الإرض أن تجرد الشعوب منها ، لكن مدى قوة وضعف هذه (السُّنّة) يعود الى عوامل داخلية تتعلق مباشرة بنسبة الوعي لدى الشعوب وحجم مثقفيها ودرجة الشعور بالمسؤولية ونرجسية رموزها ، لكنها في كل الأحوال تبقى كامنة لأنها حاجة ضرورية وأساسية في مسيرة الإنسان نحو التكامل ، وهذا ما يطلق عليه بـ ( الثورة الكامنة ) تلجأ إليها الأمة عندما تجد نفسها – مستلبة أو مستباحة أو مهمشة – ولا تستمد هذه الثورة طاقاتها من ( الدين ) فقط بل تستمد تلك الطاقة من ( الفطرة ) أيضا ، بل أن الدين ربما يشكل عامل دفع سلبي إزاء مصالحه وكما حصل في الثورة ( اللوثرية ) حيث استطاع (رائدها) بغض النظر عن الدوافع الحقيقية ونزاهة (نواياه) ، أن يقنعَ المجتمع أنه ضحية فخ نصبته له الكنيسة وخدعته ببيع العفو (صكوك الغفران) ، وأستطاع أن يغير نظرة الناس الى البابوية والرهبنة والتي كان يحيطها هالة من القداسة والإحترام وتقديمهم الى المجتمع كمخادعين ووصوليين ، فهي طبقة ممقوتة تعتمد في ترفها على جهل الأمة وبساطتها. فحصل (الإنقلاب على الذات) أي الثورة التصحيحية الداخلية التي قادها بعض أبناء الأمة على البعض الآخر من الداخل . لقد أقنع (لوثر) الشعوب الأوربية من خلال مثقفيها ،فانقلبوا على رجال الدين بعد أن أيقنوا أن لا أمل في الإنعتاق نحو الأحسن مالم يتحرروا من الكنيسة وهيمنة رهبانها الذين أصبحوا عالة عليها بل (علقة) تمتص ثرواتها باسم الدين. 

الشعب العراقي ، كباقي شعوب المنطقة ، لها خصوصيته وتاريخه وثقافته وله تطلعات وآمال عراض نحو المستقبل، أنه يعيش فترة انتقالية (دقيقة) بدأت في التاسع من نيسان 2003م ، ولأول مرة تتاح له فرصة وجود ذاته ومراجعة كل جوانب حياته وهو بحاجة لأن يكتب له تاريخا جديدا ، الشعب العراقي بدا ينظر الى نفسه في المرآة ويرى حاجة ملحة في إعادة الملامح الحقيقية الى صورته الحقيقية ، التي شوهتها مظالم السنوات العجاف الماضية ، لقد أتيح له أن يفكر بوعي وأن يتخذ قراره بإرادة حرة ، ليس ثمة ما يمنعه في أن يشير الى  ( الخطأ ) وأن يوكز بعصاه صدر المخطيء كائنا من كان.ه 

شعب العراق  قلب الإسلام  الذي يضخ الى الأمة الإسلامية بأجمعها مبادي وقيم السماء وكما أوصى بها وجاهد من أجلها المعلم الأول وأهل بيته ، وهو بذلك قبلة العالم الإسلامي إذا ما أسلمنا أن هذا العالم سوف ينقاد يوما ما من العراق عندما يأذن الله ببدأ نشوء الدولة الكبرى ، علما أن التغييرات المتسارعة والتي تحصل في العراق والتي أصبح لها تداعيات في المنطقة والعالم تُنبيء أن لهذه التغييرات علاقة بالتغييرات الكبرى الأخرى والتي سوف تسبق أمر الله في خروج الإمام عليه السلام . 

فإذا كنا جميعا نؤمن بذلك فعلينا أن نسرع الى حدوث تغييرات شجاعة وسريعة وجادة في كل نواحي الحياة التي نتلمس فيها ( أخطاء جسام ) ، وإن هذا الإصلاح سوف لن يكتب له النجاح إذا لم تع الأمة طبيعة هذه الأخطاء وتناقش أبعادها بدقة وتدرك خطورتها على حاضر ومستقبل الطائفة ، كما أن المهمة تقع أولاً على عاتق مثقفي الأمة وروادها وأبنائها في المواقع المختلفة الإجتماعية والإعلامية والسياسية ، والذي يستوجب عليهم الإنفتاح على كل طبقات المجتمع وتنبيهها الى دورها الخطير في الإصلاح ، ودفعها الى العمل الحثيث والتعاون ونبذ الفرقة والشجاعة في قول الحق مهما كانت التبعات . كما أن من الأمور الخطيرة التي علينا جميعا أن نثقف الأمة عليها وأن نتعامل معها بحكمة وجدية وعدم التردد هو علاقة شعبنا بشريحتين مهمتين هما ( علماء الدين ) و (رجال السياسة ) وخاصة في هذه المرحلة التاريخية الإنتقالية التي تعتبر بالنسبة للشعب العراقي مرحلة تفصل بين عهدين عهد التبعية السياسية وما رافقها من قهر وضياع خطيرين وعهد الولادة الجديدة الذي استرد به الشعب العراقي كامل حريته وإرادته . 

الأمة وعلماء الدين 

 (الفقهاء أمناء الرسل مالم يدخلوا في الدنيا ) هذا ماورد في الحديث الشريف وقد زاد علي عليه السلام على ذلك بقوله : إن موت قبيلة أهون من موت عالم . وإذا انتفع بعلمه فهو خير من سبعين ألف عابد . الأمة تفخر بعلمائها الربانيين الذين نذروا أنفسهم للأمة وجهدوا من أجل تعليمها مباديء الدين والعقيدة ، ودفعوها نحو الأعراف الإنسانية التي تزرع الخير وتستأصل الشر من النفوس ، وهم حاضرون دائما في محافلها لايغيبون عنها أداءاً لمسؤوليتهم ، العلماء الذين يمثلون بسلوكهم ومنطقهم وتحركهم سلوك ومنطق وتحرك الرسول الكريم وأهل بيته عليهم جميعا السلام ، وهم القدوة إذن ،  طالما بدأوا بأنفسهم ما أوصوا به الآخرين ، وانتهوا أولاً عما نهوا وحذروا منه الآخرين ، فإن لسلوك العالم أثر مباشر على سلوك من هم حوله ، سلبا أو إيجاباً ، وقد نبه الى ذلك أمير المؤمنين عندما قال عليه السلام : إذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم . وهذا يعني أن جهل الأمة بالثقافة الإسلامية وقيمها يتحمل مسؤوليته العلماء الذين جعلوا من الدين وسيلة للدنيا فلا همَّ لهم غير أنفسهم وأبناءهم ومستقبل أحفادهم بعد أن وفرت لهم ( الحوزة) فرصة بناء شخصية (علمائية) و (اجتماعية) درج الناس ببساطتهم وحسن سرائرهم وحبهم للدين أن ينظروا إليهم تبعا لذلك بمنظار الحب والإحترام وأظفوا عليهم هالة من القدسية لا يستحقونها ثم قلدوهم ( ثقة) كانت مصدر ترف وثراء لدى الغالبية منهم ، فهم مصداق لقول أمير البلغاء عليه السلام حين قال : ( فمَنِ اسْتَهَانَ بِالاَْمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا الْخِزْيَ ، وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى. وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الاُْمَّةِ) . وما نريد أن ننبه إليه  هو أن التغيير الحقيقي ينبعث من (وعي الأمة) والذي هو أساس وقاعدة لكل تغيير، وهو الذي  يهيأ لها ( بيئة ) تميز فيها (علماء السوء) فتكبح جماح أطماعهم وجشعهم عن (العلماء العاملين) بين أوساطها فترفع من شأنهم طالما يعملون على رفع شأنها ويسهرون من أجل تثقيفها و تعليمها وهم بذلك أحق بالإحترام ، وأن هؤلاء لطالما تراهم على مقربة من العامة ومن الطبقات المتوسطة يحاكونهم في طريقة معيشتهم وتواضعهم وهؤلاء هم الأمناء حقا على مايصلهم من حقوق الى الفقراء والمساكين أو تلك الأموال التي تخصص لمشاريع ترفع من المستوى  الإحتماعي والثقافي والصحي  للأمة . 

هؤلاء ليس كأولئك الذين اصبحوا عالة عليها فاختطفوا بشرههم وطمعهم عافيتها  واستحوذوا على أموالها  (فمَنْ لا يستقم بِهِ الهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ) الإمام علي (ع) . وأن ما يثير الغرابة أن يتحصن مثل هؤلاء بعباءة الإسلام أو بأجنحة ( علمائنا  ومراجعنا ) ، ونحن نعتقد أن من حق الأمة أن تعتب على علمائها ومراجعها وأن تطالبها بإعادة النظر في بناء (بطانتها) ولطالما كانوا من المقربين ولعل منهم من تنقصه الكفاءة والتواضع وحتى الأمانة ،وإن هذا لايشكل نقصا من شأن العلماء أو المراجع عندما تستمع لأراء أبنائها من المثقفين وأصحاب الخبرة والمخلصين أو أن تستجيب لرغباتهم في إصلاح من شأنه رفع الأمة والطائفة الى مستوى الأمم والطوائف الأخرى التي اعتمدت أساليب عصرية متحضرة في إدارة شؤنها الإقتصادية والإجتماعية ، ولذا فأنا أعيد مرة أخرى  ومن أجل أن لا تهدر حقوق الأمة أكثر ومن أجل أن نخفف من حرمان الفقراء والمساكين من أبناء شعبنا المظلوم ومن أجل أن ننقذ الأموال الطائلة (الموقوفة) في جيوب البعض أن تبادر المرجعية الرشيدة وباقي علماء الأمة الأعلام الى إنشاء مجلس اقتصادي موحد ترسم له ضوابط معينة من قبل اقتصاديين متخصصين وعلماء اجتماع ، وما أكثر ما يزخر به شعبنا من الكفاءات المخلصة والمتخصصة والتي سوف تتشرف بالمشاركة في إصلاح شأن شعبها . إن التاريخ القريب لهذا الأمر يزخر بما يثير الأسى والأسف والغرابة في آن واحد إذا مأردنا أن نتحرى عن الأموال المليونية التي هدرت من قبل (اجتهادات شخصية ) وتحت جناح المرجعية وهناك أمثلة كثيرة ومريرة سوف نتطرق إليها  (لاحقا) إنشاء الله من أجل خلق قناعة في العمل من أجل التغيير ، وأحب هنا أن أقول أن أكثر من مشروع في أكثر من دولة قد صرف عليه ملايين الدولارات ثم ذهبت هباءاً لأن النوايا كانت هي إنشاء ممالك صغيرة للساعين الى إنشائها وليس الهدف منفعة الطائفة ، ولذا فنحن لم نر ولا مشروعا اقتصاديا تم إنشاؤه من أجل تشغيل العاطلين من أبناء الأمة ، وكما تفعل الطوائف الأخرى بالأموال العامة ، والذي يثير الأسى أن أحد الممالك الصغيرة التي سُعيَ لإنشائها في أحد البلدان قد  أحرقَ من أموال الطائفة أكثر من 20 مليون دولار قبل أن  يُصادر من قبل الدولة التي أقيم عليها المشروع وأن لدينا معلومات مفصلة عنه. نحن على ثقة تامة من أن علماء الأمة ومراجعها الأوفياء سوف يتفاعلوا مع صيحات الإصلاح التي بدأت تعلوا هنا وهناك  وسوف لن يبخلوا بتقديم النصح والتسديد والمباركة .. للحديث بقية.. في الجزء الثالث إنشاء الله ..*

أضف تعليق

*