بائع الحرية – هاشم العقابي

في هذا اليوم الحزين، الذي مازال يحمل رائحة الدم ومرارة الموت والدمار التي خلفها الخميس الأسود، مما يجعل من المستحيل ان تجد به رازونة للفرح بحجم أبرة  وليس بابا، وجدت فرحة. فرحة لم تمن بها الحكومة، لانها لا تعرف معنى الفرحة ولا الفرح من الاساس. ولم يتكرم بها أي من أعضاء البرلمان الذين مسحوا آخر قطارة للحياء من جبينهم يوم انشغلوا بشراء مصفحات تحميهم والشعب تنتشر أشلاء أبنائه هنا وهناك في يوم دام.

 من منحني اياها هذا الصباح، مشكورا، طفل عراقي عمره 13 عاما فقط، اسمه أيمن شكر محمد .
أيمن هذا كأغلب أطفال العراق، بلد الميزانية الأضخم والأفخم بين البلدان التي تحيطه، هده الفقر والجوع هو وعائلته. ولكي يعيلها ويوفر لها قوتها اليومي ويضمن استمراره بدراسته، لم يفكر ان يسرق او يقتل أو “يتلوك”، كما يفعل بعض الساسة “المنتخبين”، بل فكر ان يعيش عن طريق بيع الحرية والمحبة. ولحسن حظه انه وجد من يشتري منه بضاعته ولو بثمن بسيط، فنجح في توفير لقمة عيش شريفة لأهله ولنفسه.
قصة أيمن العراقي، الذي اتخذ من سوق “القلعة” بكركوك مكانا لتسويق بضاعته، نشرها موقع “دويتشه فيلله” Deutsche Welle الألماني مرفقا بصورته وسط السوق وقد احاط به جمع من النساء والفرح يعلو وجوههن بهذا الفتى المبشر بالحرية. الفكرة هي ان هذا الطفل قد اهتدى الى صيد “الزرارير” ليضع واحدا منها  في قفص وينادي على الناس: “هل من يشتري حريته بألف دينار؟”. وحينما يقبل احدهم على تلبية ندائه يحرر أيمن عقدا شفهيا بينه وبين المشتري يضمن تحرير “الزرزور” الذي تم شراؤه  وإطلاق سراحه فورا. ولكي يثبت صدقه وحسن نواياه، ومن أجل ألا يتكرر وقوع “الزرزور” في الحبس مرة أخرى، يقوم أيمن بصبغ ريشته اليمنى بلون أحمر، في أمل أن يشاهده، ذات يوم، الذي قام بإطلاق سراحه.
ان هذه الفكرة التي قد لا تخطر ببال احد، حسب ما ذكره الموقع، لم تفرحني لمجرد أن طفلا عراقيا عرف الطريق الصحيح والقويم للعيش، على عكس الفاسدين والمفسدين، فقط، بل افرحتني اكثر لان فيها بعدا تربويا كبيرا: طفل صغير يعلم الكبار معنى الحرية بالفعل لا بالقول. لا اظن أن أيمن تعلم ذلك من خلال المناهج المدرسية، ولا من وسائل اعلام الحكومة أو من الوعاظ في الجوامع والحسينيات. أجزم ان من أوحى له بها ضميره النقي. ضمير،  رغم صغر سن صاحبه، أفشل نظرية الصراع من أجل البقاء التي ترى ان الجوع والفقر الذي ينذر الانسان بالموت يدفعه لارتكاب ابشع الجرائم بحق الغير كي يظل حيا. وهي النظرية ذاتها التي تحكم المستقتلين من اجل البقاء في السلطة.
 انها قصة نبهتني الى ان العراق اليوم لا يحتاج الى “مؤتمر وطني” لإنقاذه من حالته المحزنة والمزرية ، بل الى قادة يحكمهم  ضمير مثل الذي عند أيمن “بائع زرازير الحرية”.

أضف تعليق

*