بأي شيء أمتاز نبينا (ص) عن غيره من الأنبياء؟؟

08/05/2004

لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله شخصاً كالآخرين ، وكان نبياً رسولاً لكنه ليس كباقي الأنبياء والرسل ، وإذا كانت المعرفة بالله تعالى والخشية منه تستوجب العلم النقي والمعرفة السليمة فإن معرفة النبي وحقيقة وجوده وماهيته وطبيعة اثره في المجتمع تتطلب أيضاً درجة معينة من العلم وقدراً من العلاقة السليمة مع الله والحقيقة ، وبغياب ذلك تبقى هذه الشخصية التاريخية الإلهية في نظر أولئك الذين فقدوا (وسيلة الوصول الى جوهر كنهه) إما لغزاً يصعب حله أو أن تبقى النظرة عصية عن الغور في حقيقته المقدسة فتساوي بينه وبين أترابه ونظرائه ، فهم عندها كمن يساوي بين الليل الحالك ووهج الشمس الساطعة.

لقد خص الله محمداً صلى الله عليه وآله من بين الأنبياء والرسل بخصائص لا تغيب عن العاقل إذا ما حكم عقله أو تصفح القرآن ، فهذه الخصائص الفريدة التي جعلها الله لنبيه جزاءاً موفوراً ، هي أيضاً أوسمة وشارات يستدل بها عباد الله المخلصين الى طريق الهداية والنجاة فتكون بذلك رحمة إلهية لعباده من ذوي الألباب وأصحاب النهى ومن وفِّق لخير الدنيا ونعيم الآخرة .

 أولاً: خاطب الله الأنبياء والرسل فقال تعالى : (يا إبراهيم أعرض عن هذا) هود 76 ..( أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) القصص 30.. (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي)البقرة 55.. وكذلك فعل الله مع أنبيائه وهو يخاطبهم مع قدر كبير من الإحترام والإجلال ، لكنه تعالى عندما يخاطب حبيبه محمد يضفي عليه قدراً خاصاً اكبر من الحب والإجلال فيقول له : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا) الأحزاب 45 … (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) المائدة 67 … (يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) المائدة 41.. ولن تجد موضاً واحدا في القران يخاطب اللهُ به نبينا فيقول له يا محمد ، لكنه فعل ذلك مع كل الأنبياء والرسل ، ولم يخص أحداً غير نبينا بـ( يا أيها) إمعاناً منه في التقدير وإشارة منه أن لهذا النبي منزلة ودرجة سامية غير تلك التي خص بها بقية أنبيائه ورسله من أولي العزم وغيرهم .

ثانياً: قال نبينا محمد صلى الله عليه وآله مخاطباً قومه:  (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) الزمر12 . (لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الأنعام 163 . لقد كان نبينا أول من أسلم وجهه لله عندما خلق الله الكون وشاءت قدرته أن يكون فيها من يعبده ويكون خليفة له ، فامتاز على سائر الإنبياء باسبقية الإقرار لله بالوحدانية دون سائر الأنبياء وبقية البشر ، وتتجلى هذه الحقيقة إذا ما تصفحنا القرآن الكريم ونرى موضع الأنبياء من ذلك فسوف نكتشف أن هؤلاء الأنبياء هم من المسلمين وليس ثمة نبي غير نبينا أضفى على نفسه مثل هذا الشرف العظيم ، فهذا النبي يونس عليه السلام  يقول مخاطباً قومه : (وأمرت أن أكون من المسلمين) يونس 72 ويكرر ذلك في أكثر من موضع من القرآن . وهكذا بقية الأنبياء وكل من آمن بالله من البشر . وهذه الأولوية منحت نبينا بأمر من الله منزلة قيادة الأنبياء ، وفرضت عليهم الطاعة له، فقد أخذالله تعالى من جميع الأنبياء ميثاقا بذلك وألزمهم من خلال ذلك الميثاق أن يتبعوا وينصروا نبينا: (  وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لَتُؤمٍنُنَّ به ولتَنصُرُنَّه  قال ءأقررتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) آل عمران 81  وهكذا أصبحت كل الأوامر والنواهي التي ألزم اللهُ بها أنبياءه جزءاً مما ألزم الله به نبيه محمد صلى الله عليه وآله. وهكذا نفهم أن نبينا قد تحمل العبء ليأخذا البشرية الى عالم الكمال ، فهو بذلك يكون رحمة باقية مستمرة ، وهي نامية أيضاً لأن الرحمة لايصدق عليها مفهوم الرحمة إذا كانت واقفة في مكانها ولاتتحرك نحو السمو، لكن على الأنسان ذاته تقع مهمة الإمساك بتلك الرحمة المتحركة باتجاه الإرتقاء ، وهي حاضرة بيننا و في كل الأزمان لم تغب منذ خلق الله الكون ومن عليه.

 ثالثاً: لقد بعث الله تعالى نبينا محمداً للناس كافة وهو رحمة دائمة مستمرة لكل البشر ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا) سبأ 28 وهذه الرحمة دائمة متوفرة لمن يريد أن ينجو بها وتستاف الأجيال من عطرها منذ وجوده صلى الله عليه وآله وحتى تزول الأرض بأمر ربها، بيد أن بقية الأنبياء  وقد بُعث كلُ منهم لقوم في وقت معين فهو رحمة تنقطع بانقطاع النبي عن هذه الدنيا ، وهي أيضاً محدودة بحدود الجغرافية التي بُعث النبي لمن يشغلها من بشر ، فالفرق إذن كبير بين نبينا وبين أي نبي آخر. فنبينا كرمٌ إلهي دائم لا ينقطع عطاؤه وخير لا ينضب معينه أفاض الله به على عالم الوجود حتى تقوم الساعة.

 

رابعاً: لقد سأل الأنبياء أجراً على ما بذلوه في هداية أقوامهم ، بيد أن الأجر من الله وليس من الناس ، وهذا ضرب سام من الإخلاص في تبليغ الرسالة ، وفي طاعة الله وتحقيق أهدافه بين عباده ( إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا ) هود 29  (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) الشعراء 109 ( إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد ) سبأ 47 ، فالأنبياء لم يطلبوا من أقوامهم أجراً بل طلبوا الأجر ممن أرسلهم وهو الله ، وهذا الأجر متعلق بين النبي وربه ، ولا تعود فائدته على غير النبي . لكن نبينا صلى الله عليه وآله طلب أجراً ، بيد أنه يختلف تماماً عما فعل الأنبياء ، فالأجر الذي طلبه ، نفعه يعود بالخير والعطاء على الأمة ذاتها ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) الشورى 23 فالنبي  يدرك جيداً أن الصلاح الدائم ينحصر في تمسك الأمة بأهل بيته ( القربى) فأراد أن ينبه الأمة الى الدور العظيم لأهل بيته في إبقاء الخير الدائم والعدل والمساواة ، فما كان نبينا يفكر بنفسه وهو يتحمل المتاعب من قريش وأعراب الجزيرة ويجاهد من أجل إنجاح الدعوة ، بل كان يفكر في مستقبل الأمة بعد أن أدرك أنه راحل الى ربه يوما ما ، وأراد أن يستغل مشاعر الحب والطاعة في قلوب أصحابه له ليثبت بها اساساً متيناً للدعوة بعد رحيله، فأشار إليهم بطاعة أهل بيته وحفظهم من بعده ( وليتهم فعلوا) ، وقد ثبت هذا المعنى في أذهان المسلمين إذ كان يردد ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ) . وهذه الرحمة الإلهية التي خلفها لنا نبينا لم تحسن الأمة التعامل معها ، فضيعت (القربى) فضيعها الله كما نرى.

خامساً: لقد كان نبينا كله رحمة ، وما كان يشعر بالضجر من مقاطعة قريش وأعراب الجزيرة له، لقد كان يتعذب ويتألم ويصبر على الأذى وعندما يخلو بنفسه يرفع يده الى السماء ويقول ( اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون) ، لقد اصر على نشر الخير والإحسان في أرض مجدبة وأرواح تخلوا من الشفقة حتى تحول ذلك الجدب الى خصب والنفوس عامرة بالحب وعمل الخير. لكن الأنبياء كانت لهم مواقف آخرى، لقد ضاقوا ذرعا بعصيان من بُعثوا لهم  حتى دعوا الله لأفوامهم بالهلاك ، وكما حدثنا القرآن الكريم عن قوم نوح وهود وصالح ويونس وغيرهم ممن أنزل الله عليهم جام غضبه لعصيانهم ورفضهم دعوات الأنبياء .

 سادساً: لقد سلم الله على أنبيائه ، لجهودهم في إقامة العدل ونشر الفضيلة وإخراج الناس من غياهب الضلال الى نور الهداية ( سلام على نوح في العالمين) الصافات 79 ( سلام على إبراهيم) الصافات 109( سلام على موسى وهارون) الصافات 120،  لكن الله سبحانه وتعالى لم يأمر ملائكته ولا المومنين من عباده في أن يسلموا على أحد من الأنبياء كما أمر بذلك لنبينا مجمد صلى الله عليه وآله ( إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب 56.

لم يكن محمد صلى الله عليه وآله مجرد نبي ، إنه النبي والرسول والإمام الذي بدأ الله به هذا الكون وبه يختمه ، وأن جهلنا بحقيقته تجلعنا نزهد في التفكير به ، إنه أول المسلمين وهو  من يشرف على حساب أمته يوم القيامة، وشفاعته فقط من تمنح الحياة الأبدية الخالدة  (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) تلك الشفاعة التي لا تعادلها في مشاعر النشوة والفخر والإحساس بالنصر إلا تذوق حلاوة مرضات الله. لكن كبف لنا أن ننال تلك الشفاعة ؟؟ إنها الطريق الوحيدة طريق الطاعة لله ، الطاعة الكاملة التي ترفض أي شكل من أشكال التبعيض أو المراوغة.

أضف تعليق

*