انتفاضـة الشباب التونسي المصري ــ والنموذج العراق – حسن حاتم المذكور

على اثر مقالة سابقة تحت عنوان ( العراق في انتفاضة مصر الباسلة ـــ غيث الأنتفاضات اوله العراق ـــ كانت تضامناً مع انتفاضة الشعب المصري الراهنة والتي كان الشباب غير المتحزب والمؤدلج من داخل المعارضة الرسمية يشكلون قواها وطليعتها الوطنية واشرت ايضاً ’ على ان تأثير الحالة الحالة العراقية ليس بعيداً عما حدث في تونس وما يحدث الآن في مصر وما سيحدث على عموم بلطجية انظمة الجوار ( وتلك وجهة نظر ) كتبت لي احدى الأخوات تعليقاً يعبر عن خيبة امل لاتخلو من المشروعية ’ لكنها شكلت سؤ فهم وتجاهل للحقيقة العراقية والتاريخ الرافض والمنتفض والثائر للشعب العراقي .

اخذ مقتطفات من نص التعليق كنموذج لما يصدر عن البعض ” … اشجاب العراق على انتفاضة تونس ومصر ؟؟؟؟ احنه الله ما فكنا من صدام .. اجو الأمريكان حررونا لأنا شعب جبان … تجربة العراق تجربة فاشلة وديموقراطية مزيفة مزورة ايرانياً وسعودياً وشعب يسوده الجهل والتقوقع الديني والطائفي … شعب لم يتعلم التماسك والتكاتف … بل تعلم على مرور التاريخ التامر والغدر والنفاق والشقاق ومساويء الأخلاق … ” .

 واختصاراً للموضوع ناخذ من التاريخ العراقي القريب نموذجين للأنتفاضات الشبابية في العراق ’ اولهما انتفاضة الشهيد النائب العريف حسن سريع عام 1963 وكان اكبر المنتفضين سناً ( 32 ) عاماً بينما اعمار 90 % من شباب الأنتفاضة بين 19 الى 25 اغلبهم من الجنود وشباب المناطق الشعبية ’ وكانت قاعدتها تقدر بألالاف ’ وبعد انتكاستها ــ واسبابها ــ معروفة ’ تم تصفية واعدام جميع قياداتها الفاعلة ’ وقد بلغ عدد ضحاياها اكثر من ثلاثة الاف شهيداً ’ التقينا ببعضهم في المعتقلات البعثية ’ فكانوا نموذجاً اسطورياً للشجاعة والبسالة واصحاب قضية ومشروعاً وطنياً وايمان وثقة عالية بالنفس والشعب والمستقبل ’ تأثرنا بهم وتعلمنا منهم وكان اغلبنا في مثل اعمارهم ولازالت ذكراهم نموذجاً راسخاً في الوجدان والوعي ’ واهم ما تركوه فينا ’ هو الأيمان بالشعب وان ما هو على سطح الحقيقة العراقية لايشبه جوهرها وان الصمت غالباً ما يغزل نسيج التغيير .

 كانت انتفاضة الشهيد النائب العريف حسن سريع’ هي اول حدث في التاريخ الكوني يصنعه الشباب من الطبقات الفقيرة ’ وان جميع الثورات كانت بقيادة النخب السياسية والعسكرية والثقافية ’ اما انتفاضة النائب العريف حسن سريع ( المعسكر ) ورفاقه ’ فكانت نموذجاً عراقياً غير مسبوق .

 اما النموذج الثاني ’ فكانت الأنتفاضة الشعبانية عام 1991 ’ وكان الذي فجرها وقادها وحرر 14 محافظة من مجموع 18 محافظة وقدم اكثر من ( 300 ) الف شهيداً اغلبهم من شباب مدن الجنوب والوسط ومن الجنود البسطاء العائدون من الكويت بعد هزيمـة النظام في ام مهازل معاركـه ’ كانت انتفاضة من عمق الشارع المسحوق ’ استطاعت ان تهزم الماكنة العسكرية والحزبية للنظام البعثي في اغلب محافظات العراق وحاصرت رأس النظام داخل مقراته وقصوره في بغداد ’ حتى اصبح نجاح الأنتفاضة وسقوط النظام البعثي امراً واقعاً لولا تبدل الموقف الأمريكي وتدخل ودعم الأسر الخليجية لبقايا النظام الى جانب اختراق احزاب الأسلام السياسي المدعومة ايرانياً وفرض شعارات مخيفة شوهت الأهداف الوطنية للأنتفاظة ولاعلاقة لها بالمشروع العراقي .

 ذلك النموذجين من الأنتفاضات الشبابية لملايين المسحوقين ’ تتكرر الآن في انتفاضة شباب كادحي ومثقفي تونس ومصر وتقود حركة التغيير داخل مجتمعات المنطقة وسيمتد تأثيرها ابعد .

 ان موقف الأخت صاحبة التعليق المشار اليه ومع انه متشنج متسرع ’ لكنه قد يعبر عن حالـة عتب مشروع ومطالبة الشارع العراقي’ على ان يبدأ بتغيير الحالة البائسة في العراق حالاً ’ بينما الأمر لاتتحكم فيه الرغبات ولا دور فيه للعواطف المجردة ولا توقتـه تمنيات اسبابها ضغط الأحباط وخيبة الأمل ’ انه موضوع تراكمات وعملية ولادة يجب ان تكتمل دورتها وتنضج اسبابها وادواتها الموضوعية والذاتية ’ وعلى المثقف والكاتب والفنان والأعلامي والمبدع والسياسي الوطني وجميع قوى المشروع الوطني وعناصر التغيير ’ ان تندمج مع بعضها وتتوحد وتتحلى بالصبر والثبات والمثابرة واعادة صياغة الوعي والتوجه مباشرة الى الشريحة الفتية ــ الشباب ــ من داخل المجتمع ’ لأنها غير ملوثة برذائل الفساد وحالات الأنحطاط التي فرضتها على الواقع العراقي قوى التحاصص والمشاركات في تمزيق وتقاسم العراق سلطة وثروات وبشر .

 ان الذي حدث في تونس ويحدث الآن في مصر وسيحدث في دول اقليمية اخرى ’ ليس بالضرورة ان يكون مستنسخاً لما حدث وسيحدث في العراق ’ فنموذج مواصلة التغيير في العراق قد ينتفض من داخل صناديق الأقتراع للأنتخابات القادمة او قبلها او بعدها ’ وقد يكون التغيير نموذجاً عراقياً لايشبه غيره الا في جوهر واهداف التغييرات ’ ثم ان العراق ورغم كل ما يحدث من سلبيات وتراجعات وحتى انتكاسات محدودة ’ يبقى ولحد الآن ضمن سياق التحولات الديموقراطية المتعثرة ولا يمكن النظر الى الحالة العراقية مقارنـة بما هو حاصل في انظمـة دكتاتوريات شمولية وراثية عريقة كليبيـا وسوريا واليمن والسعودية وغيرها .

 في العمق العراقي يتجول الآن حراك جذري وتحولات منتظرة وقوى تغيير تعبر عن ذاتها تحدياً من زاخو الى الفاو عرضاً وطولاً ’ وكما ذكرنا في مقالات سابقة ’ ان دار السيد ( السلطة ) لايمكن لها ان تكون ( مامونـه ) ’ ان سلطة التحاصص والتوافقات والفرهدة الشاملة’ هي الآن الحلقة الأضعف مقارنة بسلطات انظمة الجوار’ وان ثمن التغيير سوف لن يكون باهظاً خاصة في حالة الأنحلال والتفسخ التي يعاني منها نظام التحاصص الذي فقد كل اسباب استمراريته’ والزمن هنا ورغم ضرورته لايلعب دوراً اذا ما قارناه بالتغييرات الأيجابية الهائلة التي ستتحقق على المديات المنظورة ’ وهنا يجب الحذر الشديد وتجنب تسطيح الواقع العراقي وتجاهل التاريخ النضالي العريق للشعب العراقي او المزايدة عليـه وتناسي ما كان عليه في الزمن البعثي ’ وان لاترتكب حماقة مقارنة الحالة العراقية الراهنة بما كان عليه العراق قبل 2003 .

أضف تعليق

*