المطلوب من إسلاميي السلطة-أبو محمد

 تثار حول مسألة النموذج الاسلامي في الحكم بعض التساؤلات ينبغي الاجابة عليها بغض النظر عن دوافعها فقد راجت في بعض الاوساط العلمانية فكرة ان النموذج الاسلامي المدّعى لا وجود له، لأن هناك فرقا بين الواقع والمثال، والنموذج الذي يتحدث عنه الاسلاميون موجود فقط في النصوص المقدسة او في محاضرات زمن المعارضة، فاذا وصل الاسلاميون الى السلطة سقط النموذج ولم يتصرف الاسلاميون الا كما تصرف الذين من قبلهم، لكنهم يختلفون عنهم بمقدرتهم على تبرير ما يفعلونه بالمصالح الشرعية والعناوين الثانوية والظروف الاستثنائية ودفع الضرر الاكبر بالضرر الاصغر،….الخ وهي نفس تبريرات العلمانيين لحالة الطوارئ التي تحكم بها الانظمة الدكتاتورية بحجة نفوذ اعداء الحزب والثورة، او تربص الاستعمار والصهيونية، أو فلسطين أو غير ذلك. ويمضي هؤلاء العلمانيون الى القول:” ستكون النتيجة نفس النتيجة لو استلم السلطة أي فريق من الاسلاميين، بما في ذلك من ينتقدونهم فعلا ويعتبرونهم قد انحرفوا عن الاسلام”. والدعوى الاخيرة يرددها اسلاميو السلطة أيضاً على اختلاف انتماءاتهم ومذاهبهم، فهم يردّون على منتقديهم بالقول:”حتى انتم لو جئتم لفعلتم نفس فعلنا، فهناك فرق بين النظرية وبين الواقع العملي، انتم تتكلمون نظريات، تعالوا الى التطبيق وستعذروننا، بل تشكروننا على ما فعلنا“.

إن هذا الاعتراض يقوم على فكرة مسبقة مفادها [أن استلام السلطة أمر لابد منه في كل الاحوال، وقرار مفروغ منه بمعزل عن قدرة الاسلاميين على إقامةالعدل ومكافحة الظلم]، وبعد إقرار هذه الفكرة المسبقة (وهي خطأ طبعاً) يضعون منتقديهم في زاوية حرجة لينتزعوا منهم الاعتراف بأنه ليس في الامكان أفضل مما كان.

والحق أن تصدي الاسلاميين لمسؤولية الحكم ليست قضية غير مشروطة، ولا واجبا شرعيا معلقا في الهواء، وبالرغم من أن الحكم جزء ضروري من الشريعة الكاملة، وأنه وسيلة مهمة من وسائل تطبيق العدل الاسلامي لا يجوز التنازل عنه للظالمين، خصوصا من لمسَ الناسُ ظلمَهم وإجرامهم بحق عباده، فإن هذا الواجب -شأنه شأن الواجبات الاخرى- منوط بالقدرة، فلا يكلف الله نفسا الا وسعها، وهي قاعدة تنطبق على الفرد كانطباقها على الجماعة، فأي فرد أو جماعة لا تجد في نفسها القدرة على تطبيق عدالة الاسلام في الحكم يسقط عنها واجب التصدي له، اما اذا كانت لا تأمن على نفسها من الانحراف فقد يحرم عليها ذلك خصوصا اذا كان انحرافها يعود على الاسلام والمسلمين بالوبال وتشويه سمعة الدين والمتدينين، ويحرمهم من فرصة مستقبلية يستبدل الله فيها قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

إن قضية تطبيق الاسلام في مجال الحكم ليست مسألة فوتية، ولا آنية، والحكم ليس هدفا بل وسيلة ليقوم الناس بالقسط، ومن يرون استلام الحكم فرصة سنحت بعد قرون مظلمة ولا يجب تضييعها مهما كانت اهلية الاسلاميين لادارته يغفلون عن الحقائق السياسية والحقائق الشرعية.

ففي الميدان السياسي –كما في الميدان العسكري-لا يقاتل القائد الحكيم لاحتلال أرض لا يستطيع الاحتفاظ بها الا لفترة وجيزة ثم ينسحب منها خائبا مخزيا ويوفر لعدوّه القضاء عليه وهو فارّ، فمثل هذا الاحتلال يقدح في تاريخه العسكري ويحطم معنويات جيشه مما يجعله عاجزا عن التقدم لو سنحت فرصة افضل.

أما على الصعيد الشرعي فقد وجدنا الامام الرضا (ع) يرفض ولاية العهد التي عرضها عليه المأمون لأنه لم يكن يملك الكادر الذي يؤهله لاستلام الحكم وادارته وفقا للقواعد الشرعية والمفاهيم القرآنية، بل رأى أنه سيكون مضطرا للمشاركة في الظلم، أو قد يكون جسرا يعبر عليه الظالم، أو –في أقل الاحتمالات- سيكون بسكوته على الظلم مصدر اقرار لشرعيته، وهذا بحد ذاته كافٍ لرفضه استلام الحكم أو المشاركة فيه، وهو نفس المبدأ الذي جعل عليا عليه السلام يرفض الشرط الثالث من الشروط التي وضعت في شورى الستة، فضيّع الفرصة التي يأسف على ضياعها الغافلون عن فلسفة الحكم في الاسلام. ولما رجعت اليه الامة بعد مقتل عثمان كان يرفض الاستجابة قائلا: “دعوني والتمسوا غيري”. وهو موقف لا يفهمه طلاب السلطة لأنهم لا يدركون أن اغتنام الفرصة غير الناضجة خطر على الاسلام وموازين عدله، وقد قبل الامام الخلافة بعد أن أخذ من الجماهير العهد على ان يسير بهم على المحجة البيضاء، فلا يسلب نملة ً حبة شعير، ولا يطلب العدل بالجور فيمن ولـِّي عليهم.

صحيح أن سياسته تلك أدت الى مقتله، لكنها أدت الى احياء رسالته واحياء مبادئه التي بقيت مقياسا يقاس به الآخرون. ويكفي أن ننظر الى قبره وذِكره ونقارنهما بقبر طلاب السلطة وذِكرهم، ولو لم يفعل ما فعله لتساوى معهم ولانطمست معالمه في الارض والنفوس. وانما خُلـّد علي في التاريخ والضمير لأن الحكم لم يكن يساوي عنده شسع نعله، الا أن يقيم حقا أو يدفع باطلا، ولأنه كوى يد اخيه عندما طالب باكثر من حصته من بيت المال، ولأنه رفض أن يبقي معاوية والياً على الشام حفاظا على خلافته، وأطفا الشمعة امام طلحة والزبير مما حملهما على الخروج عليه.

 * * *

من الحجج التي يتذرع بها اسلاميو السلطة في تهالكهم عليها هي:[أنهم لو لم يهرعوا اليها لوقعت بيد البعثيين وأشباههم، وهو المحذور الذي يؤدي الى عودة المقابر الجماعية وابادة شرائح واسعة من الشعب]، وهي حجة لا تنطلي الا على بعض الغافلين.

لكنهم لو كانوا فعلا يخشون عودة البعث لكان المفروض أن يستعينوا بأفضل الاعوان وأنظف الكوادر لادارة الحكم لكي لا يقع بيد البعثيين، لا أن يستعينوا بالبعثيين أنفسهم لمنع اعادة البعثيين.

ولو صحت دعواهم لسلكوا هم انفسهم سلوك الزاهد في الحكم المعرض عن المصالح الشخصية والمكاسب الدنيوية في سبيل ارساء اسس العدل بين الرعية والحفاظ على حقوقهم في الثروة والسلطة، لا أن يتقاسمها اقرباؤهم ومقربوهم كما فعل آل أبي معيط.

ولو صحت دعواهم لوضعوا خطة عاجلة لاستقطاب الكوادر المخلصة مهما كان انتماؤها، ولم يشترطوا الانتماء لعشيرة الاطار السياسي الذي ينتمون اليه ليصل بهم الامر الى تولية جلادي الامس على رقاب ضحاياهم.

ولو صحت دعواهم لما كتموا عن الناس صفقاتهم السياسية السرية ولما قدموا التنازلات للفاسقين والكافرين مقابل البقاء في السلطة، فالصادق في دعواه تمثيل الناس لا يكتم عن الناس تعهداته السرية لمن يمتص خيراتهم، وطنياً كان ام اجنبيا.

ولكي لا يساء استغلال هذا الكلام نقول بصراحة انه ينطبق على جميعالاسلاميين” الذين ينضوون تحت أي اطار، فكلهم وفـّروا للبعثيين ملاذا آمنا واستعانوا بهم لتثبيت مواقعهم، وكلهم آثروا السلطة على العدل، وكلهم تولوا الذين كفروا بدلا من الذين آمنوا، وكلهم فضلوا متاع الدنيا على الآخرة فباؤوا بغضب من الله ولهم عذاب اليم.

 * * *

قد يسال البعض: هل ينبغي على اسلاميي السلطة الان ترك مناصبهم وتسليمها الى غير الاسلاميين؟ 

وهل سيؤدي هذا الى اقامة العدل؟

والجواب هو: ان المطلوب من الاسلاميين العدل والاستقامة، وهو أمر ممكن لو ارادوا، ولو فعلوا ذلك لكان خيرا لهم، ولو فعلوه لالتفت الجماهير حولهم ومنعت سقوطهم. وليست المهمة مستحيلة، بل ولا عسيرة. ما الاستحالة في أن يعود اسلاميو السلطة الى حياتهم البسيطة التي اعتادوها قبل أن يصبحوا حكاما؟ ما الاستحالة في أن يعيش ابناؤهم وأصهارهم كما يعيش ابناء سائر الناس واصهارهم في العراق وفي عواصم العالم الغني؟

ما الاستحالة في أن يعيدوا الى الناس الثروة الحرام التي نهبوها من المال العام سواء باعادتها الى خزينة الدولة أم بتحويلها الى مشاريع خيرية لخدمة المحرومين؟

ما الاستحالة في استبدال الاقرباء والمقربين الفاشلين بمسؤولين كفوئين نزيهين؟

ما الاستحالة في المحاسبة الفورية والحاسمة للحاشية الفاسدة والمستشارين الفاسدين الذين أزكمت رائحة فسادهم الانوف ؟ أم أنّ مَنْ مكـّنهم من سرقاتهم آخر من يعلم؟

ما الاستحالة في أن يكشف اسلاميو السلطة(من حقق أمانيه ومن ينتظر)، يكشفوا للناس محاضر لقاءاتهم السرية مع ناهبي ثروات الشعب من السياسيين المحليين والدوليين؟

ان ادعاء تمثيل الشعب يستدعي عدم كتمان الحقائق عنه، وان ادعاء العمل من اجله يستدعي التضحية بالمصالح والمكاسب الشخصية لخدمته وان ادعاء الاسلامية يستدعي عدم الخروج عن مبادئ الاسلام واحكامه اما هذا الذي نراه فلا علاقة له بالاسلام لا من قريب ولا من بعيد، وهو يكشف عن رغبة مكبوتة في المال والجاه افلتت من عقالها برحيل طاغوت كبير لكي يحل محله طواغيت صغار.

اذا شاء اسلاميو السلطة – من مختلف الأطر السياسية- أن يتوبوا الى الله فبامكانهم اعادة المال المسروق والمناصب المسروقة ومصارحة الشعب بالحقائق المستورة ونبذ الخلافات البينية القائمة على التسابق المصلحي والاستعانة بالكفاءات النزيهة ومكافحة الفساد ابتداءا بأقرب الناس اليهم وتطبيق العدالة بحق القاصي والداني، فان فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورزقهم رضا الناس ومنحهم حصانة تصون حكمهم وهي بلا شك افضل من الحماية التي توفرها لهم القوات الامريكية.

قد يقول اسلاميو السلطة: [ان تطبيق هذه النصائح يؤدي الى انهيار العملية السياسية ودخول البلاد في حرب اهلية، ولذا لا نفعل ذلك دفعا للضرر الاكبر بالضرر الاقل]. ان من المؤسف أن يقول مسلم ان اقامة العدل ومنع السرقة يؤدي الى الخراب والدمار.ان هذا الادعاء يشبه ادعاء الانظمة الدكتاتورية التي تخشى لو منحت الشعوب حريتها أن يتمكن الاستعمار والصهيونية من السيطرة على البلاد. ترى ماذا يفعل الاستعمار والصهيونية بالبلاد أكثر مما فعلتم؟

وانتم يا اسلاميي السلطة، ماذا تخشون أن يحل بالبلاد والعباد أكثر مما حل بهما في عهدكم؟

وهل ترون بقاءكم كفيلا باعمار البلاد التي دمرتموها انتم وحلفاؤكم واعطاء حقوق العباد التي سرقتموها انتم وحلفاؤكم؟

ونحن لا نعرف كيف تنهار العملية لسياسية اذا اعادوا ما سرقوه الى الشعب؟

وكيف تدخل البلاد في حرب اهلية اذا استبدلوا الجهلة الفاسدين بالكفوئين النزيهين؟

وكيف تنهار البنية التحتية اذا طهروا مكاتبهم من البعثيين؟

وقد يقولون: [ان تطبيق هذه المقترحات يعرضنا للقتل]. ونقول لهم: خير لكم ان تقتلوا على الحق من ان تعيشوا على الباطل، وخير للاسلام ان يُقتل من يحاول اقامة العدل كما قتل علي عليه السلام وسيكون قتلكم شهادة تزكية للنموذج الذي يريده الاسلام للحاكم المسلم الذي يطبق العدالة حتى لو ادى ذلك الى مقتله، فهذه وظيفة النموذج المسلم، وهي التي ستبين الفرق بين المسلم والعلماني.

وما الضير -إن فعلتم ما توعظون به-أن تقتلوا ليأتي بعدكم من يواصل مسيرتكم في العدل ؟ أم أن الدنيا خلت من الصالحين فانتم أفضل من عليها؟

من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفِّ اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون

يخادعون الله والذين آمنوا…وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون

ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا

والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم

أضف تعليق

*