تحالف (القومية السلفية) في الوطن العربي – الدكتور طالب الرماحي

ولدت (القومية السلفية) في العالم العربي لأول مرة بعد سقوط النظام البعثي في العراق وإعدام رمز  الإرهاب والقتل المقبور صدام ، وهي تحالف بين السلفية الوهابية ( الإسلامية) التي نصبت نفسها وصية على الأمة الإسلامية وتعتمد تكفير كل من يخالفها في الرأي من كل الفرق الإسلامية الأخرى ، وتستقي فكرها وفقهها من ( الناصبي ابن تيمية) المتوفي في القرن السابع الهجري ، وتحضى هذه ( المجموعة ) برعاية خاصة من الحكام السعوديين وبعض دول الخليج ، حيث تشكل السعودية الحاضن الأكبر لهم ، وبين القوميين العرب ورثة الفكر الناصري ، وهم أيضاً يتصورون أن أفكارهم قادرة على إنقاذ الأمة من تداعياتها المستمرة ، مع أن الفكر القومي لم يحقق أي تقدم سواء في زمن قائدهم وملهمهم عبد الناصر الذي قاد مصر من هزيمة إلى أخرى ، وفي زمن ما بعد عبد الناصر حيث أثبت القوميون خواء عقولهم وفشل نظرياتهم الجوفاء ، مع توجه واضح باتجاه مكاسبهم الشخصية على حساب مصالح الأمة .. ولذا فإنك تراهم قد التفوا حول  ( مؤتمرات القومية العربية ) التي تعقد بشكل دوري في كل سنة في عواصم الدول التي يحكمها حكام مجرمون وقادة طواغيت يتخذون من الشعور القومي العربي ( مطية ) لتحقيق أهدافهم في التمسك بعروشهم الهشة  ، ففي كل مؤتمر يتوافدون ويتجمعون كالذباب على بقايا ( الدبق ) فيتمتعون في فنادق خمس نجوم ، ثم يأخذون ما يتصدق به الحاكم الطاغية ليعودوا من بعدها يمارسون نفاقهم القومي بين ألأمة لخداعها وهكذا دواليك .. ومن اسباب انجذاب القوميين للسلفية التكفيرية ، هو أن الأخيرة استطاعت من خلال القدرات المالية الكبيرة المدعومة من النظام السعودي ومشايخ التكفير أن تبني لها كيانا إعلاميا من فضائيا ومؤسسات ، وبالتالي فإن تلك القدرات أسالت لعاب القوميين ، وخاصة أن أغلبهم لايمتلكون مثل تلك القدرات ، ويعتاشون على ما تتصدق به عليهم مخابرات  الحكومات العربية ذات التوجه القومي .

وتحالف القوميين العرب مع السلفيين التكفيريين  (سببه الأساسي) هو خروج العراق عن طوع ( الحكومات الطائفية في المنطقة العربية ) وانقياده للأكثرية الشيعية في الوسط والجنوب ، فالقوميون العروبيون يعتبرون الشيعة ليسوا عربا وولائهم للإيرانيين ، فالعراق  بذلك خرج من إطاره العربي ، ولابد من العمل الجاد لعودته إلى صفه العربي . أما السلفيون التكفيريون فيعتبرون أن العراق من خلال حكم الأكثرية قد خرج من طوعهم ( كسنة حسب ما يدعون ) ولابد من إنقاذه من الشيعة ( الكفرة في عقيدتهم) وعودته إلى صفوفهم .. فهدف عودة العراق ( وإنقاذه ) من الأكثرية الشيعية طغى على كل المتناقضات التي يؤمن بها ويتبناها الطرفان ، إذا ما أدركنا إن البون بين تلك المتبنيات شاسعا جدا وبعيدا، كبعد اٌلإيمان بالله الذي يدعية السلفيون ، وبين الشرك  الذي يتباهى به االقوميون الذين يتبنون العلمانية بكل أشكالها . وكان أول لقاء بين الطرفين هو اتفاقهما على  رفض تدخل الإدارة الأمريكية في العراق وتغيير النظام البعثي ، ثم مساندتهما إعلاميا ولوجستيا وعسكريا للإرهابيين الذي بدأوا بعملياتهم الإرهابية والتي كانت تستهدف بالدرجة الأساس الشعب العراقي بحجة الاحتلال الأمريكي ، وقد أكدت المصادر الرسمية العراقية أن أكثر من 90% من العمليات الإرهابية قد طالت الأبرياء في مراكز العبادة أو الأسواق العامة ودوائر الدولة ، وأقل من 5% فقط قد طالت القوات الأمريكية . وقد تم التنسيق بين الطرفين على أن يتم تبني مساندة الإرهابيين إعلاميا من قبل ( القوميين العروبيين ) فيما تتبنى السلفية التكفيرية إرسال الإرهابيين الإنتحاريين إلى العراق ومساعدتهم ماديا في تنفيذ عملياتهم الإرهابية ، وكان الطرفان ينسقان داخل العراق مع حزب البعث ودوائره المخابراتية والأمنية المنحلة ، بيد أن ( القوميين العروبيين ) يعتمدون  في عملهم ونشاطهم على الحكومات العربية التي تتبنى الفكر القومي  في شعاراتها كسورية والأردن والمغرب واليمن ومصر ، فيما اتكأ ( السلفيون التكفيريون ) على الحكومات الطائفية في عملها وخاصة دول الخليج .

وتحالف القوميين مع السلفيين قد فوجئ بثورات التحرر في أغلب البلدان العربية ، فتلك الثورات مؤشر على كبر حجم وعي تلك الشعوب ، فأغلب الحكومات الديكتاتورية التي انهارت أو التي تنتظر دورها في التغيير كانت مرتعا وسندا للقوميين ، كما أن دول الخليج قد ضعف موقعها أمام تلك العاصفة غير المتوقعة ، وتبعاً لذلك وجدت ( القومية السلفية ) ضآلة وجودها أما هذا المد الهائل ، فراحت تغير من ستراتيجيتها في التعامل مع الظروف الجديدة ، وقد راينا أنها بدأت تتخبط في طروحاتها ، وتحاول أن تحشر أنفها في الثورات  الجديدة علها تجد موضع قدم في البلدان التي تحررت من طواغيتها.

ومن أجل أن أكون دقيقا ، أقول أن طبيعة هذا التحالف يختلف عما عهدناه من تحالفات بين الأحزاب والقوى المختلفة في الوطن العربي ،  وذلك بسبب تقاطع ثقافة الطرفين ، وبسبب تاريخهما الذي شهد أيضا الكثير من القطيعة والخلاف العقائدي . ولذا فإن طبيعة التحالف هذا  كان عفويا واتسع شيئا فشيئا  بسبب ( توافق ) الأهداف والمصالح بينهما ، ومن أكبر مؤشرات ذلك التوافق هو إلتقائهما في محاربة النظام الديمقراطي في العراق  ( كما ذكرت ) وحملتهما الشعواء على الشعب العراقي واتهامه بالعمالة لأمريكا وخيانته للأمة لأنه سمح للقوات الأجنبية بإسقاط ( رأس الفتنة والإجرام ) النظام البعثي ورمزه المقبور صدام . إن هذا التحالف ( المشبوه ) بين الطرفين ضد الشعب العراقي  مهد لهم للتحاور والتنسيق خلال الظروف الراهنة والتي خلقتها ( ثورة الربيع العربي ) لمواجهة كل التيارات الأخرى التي تختلف معها . ففي مصر أخرج هذا التحالف قرناه لأول مرة ، من خلال حملة ضد المعارضة المصرية واتهامها ومحاولة تشويه سمعتها في الشارع المصري ، بل ولم يسلم من اتهام هذا التحالف الضال حتى شباب الثورة الذين أعادوا لمصر هيبتها وحريتها وكرامتها ، فانبرى الكثير من كتاب ( القومية السلفية ) للقيام بحملة ضد الثورة والتشكيك بقدرة روادها وقادتها ، تارة ، وتارة أخرى من خلال اتهامهم بالتنسيق مع المجلس العسكري ، ليظهروا أنفسهم أنهم وحدهم من يستطيع أن يقود التغيير وقد نسوا خيبتهم الماضية وضلالهم القديم وتخبطهم ، وكما نراهم اليوم مازالوا سادرين في غيهم القديم الجديد .

والذي يثير الاستغراب والاستهجان معاً ، أن السلفية القومية بشقيها التكفيري والعروبي ، قد أغلقت فمها أمام تدخل الدول الغربية لمساعدة الشعوب العربية في الخلاص من النظم المستبدة ، بعد ان اتسع ذلك الفم ولم يترك لغة مشينة إلا واستعملها في نقد الشعب العراقي وتخوينه وتجريمه ، بسبب التدخل ذاته الذي يحصل هذه الأيام .

إن (القومية السلفية) لم تكن في مصر الكنانة وحسب وأنما لها امتداد في كل الدول التي يتواجد فيها السلفيون التكفيريون والقوميون الناصريون ، ففي سوريا وهي تعيش ثورة التحرير أيضاً أخرجت القومية السلفية قرونها من خلال بعض الكتاب وراحوا ينظرون للثورة وينشرون أفكارهم البائسة المعجونة بتأييد التغيير في سوريا ، مع أن أغلبهم كان يرتمي بأحضان النظام السوري ، مثلما كان القوميون والسلفيون في مصر ينسقون مع المخابرات المصرية في زمن مبارك .

إن الشباب في مصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها من البلدان العربية الذين هشموا كبرياء الديكتاتورية ومهدوا بدمائهم وحماسهم وشجاعتهم لقيام دولة العدل والقانون  قادرون على نسف نفاق ودجل ومكائد القومية السلفية وقطع الطريق على الوصوليين والانتهازيين من منتسبيها للتأثير على مسار تلك الثورات العملاقة وتحقيق كامل أهدافها في بناء وطن عربي تتوحد شعوبه على مباديء الخير والسلام .

 

3 Responses to “تحالف (القومية السلفية) في الوطن العربي – الدكتور طالب الرماحي”

  1. جاسم زندي says:

    احسنت يا استاذ طالب في تفسيرك لحالة التحالف القائم بين القوميين العرب والسلفيين في معاداتهم للعراق الجديد

  2. نعم سيدنا الفاضل كلما ذكرته هو في تماس مباشر مع الحقيقة بل وسطها ولا يجانبها … نعم نحن كثيرا ما نتحدث عن السلفية وفكرها الذي استطاع وكما بينت في رسالتي الى العالم الاسلامي انها تستخدم راس المال الاسلامي والذي تتلقاه المملكة العربية السعودية وبالمجان لهو قادر على تعبيد الطرقات الى تنضيج الفكر السلفي في الامة العربية .. والسبب هو دكتاتورية الحكام وغطرستهم في تجويع وترويع شعوبهم… نعم كان انفلات المواطن البسيط وانسلاخه عن وطنيته ليرتمي في احضان الافكار القومية والتي هي مستوحاة من الفكر السلفي وليس بالمفهوم الاسلامي الحقيقي .. وليس الدعوة الى توحيد الامة الاسلامية وفق النهج المحمدي .. وانما كما ذكرتم وكما ذكرت في رسالتي هو امر في غاية الخسة والنذالة وهذا يتيح للسلفيين الانزواء في طرف من مصير الامة ويتطلعون الى ما يجري ومبعدين الانظار عن افعالهم الدنيئة والوضيعة في بقاءهم في عروشهم … نعم السلفية التكفيرية والدعوات الكاذبة الى تحديث الفكر القومي هما وجهان لعملة واحدة وهي بقاء العروش التي يتربع عليها السلفيون ولنا قصص في العلاقات التي تقيمها المملكة الدبلوماسية وغيرها مع البلدان العربية .. وراينا من اراد المحاولة او مجرد التفكير بالخروج عن فكرها شرعت الى مقاطعة ذلك الحاكم وقطعت عنه الاموال التي كانت تنساب الى مؤيديها … نعم ما يحدث في العراق هو القلق بعينه للكام ال سعود ومن لف لفيفهم وما المحاولات في اجهاض ونسف الوضع الجديد في العراق انما هو يدلل على ان ناقوس الخطر بدا يرن في اذانهم العفنة والبئر الذي يعمقون لسقوط الدول العربية هم سيسقطون فيه وان غدا لناظره لقريب وبالله المستعان

  3. حيدر عزيز الوائلي says:

    لقد أصبت عين الحقيقة دكتور طالب وللأسف الشديد فأن التثقيف ضد هذا المد القومي السلفي الوهابي ضعيف جداً وخجول في نفس الوقت ولا نعرف ما السبب في ذلك

أضف تعليق

*