العراق وبوادر إعصار ثورة المحرومين

الدكتور طالب الرماحي

العراق الألم ، الوجع الذي بدأ يكبر في قلوب الصغار والكبار في أرض لم تر من السعادة ما تراه الشعوب في المنطقة أو العالم ، جرح خطه ابشع ديكتاتور في العالم اسمه صدام ، ويأبى من جاء بعده ، إلا أن يبقى ذلك الجرح العميق فاغراً فاه ، يستعصي على الشفاء . جرح رسمته ديكتاتورية مقيته استحوذت عليها نزعة سفك الدم ومصادرة الحريات ، وسلمته لديمقراطية مشوهة المعالم ، ناقصة الأعضاء ، تقودها نفوس ضعيفة لاتحسن غير السرقة والتهالك على الدنيا وحب المال ، نفوس مريضة بأمراض عضال من الغرور والتكبر والتجبر والاستخفاف بالآخرين ، نفوس وضيعة تريد أن تبتني لها عالما مزيفا من المجد والبطولات من لبنات حرمان الفقراء وأنات المعوزين وحسرات الثكالى ويتامى الملايين من شهداء الأمس المنسي .

لقد انقلبت موازين الأمس ، واستشاطت في نفوس شعوب المنطقة مشاعر أخرى غير تلك التي تعرفها من قبل ، ماعادت تلك الشعوب يستهويها النوم على وسادة الذل ، ولم يعد في وسعها أن تلوك الفقر تحت خيمة الجلادين ، فكفرت بمثل تلك الحياة ، واستبدلتها بحياة أخرى تحفل بالدم والموت ، طالما أنَّ فيها أمل من حياة كريمة كتلك التي تنعم بها شعوب الله في أرضه الواسعة .

وشعبنا العراقي المظلوم ، لم يكن بعيدا عما يحصل في المنطقة من إعصار اقتلع بعض الجبابرة في المنطقة ، وهو ما زال يزأر كأسد جريح يأبى إلا أن يفتك بما تبقى من سراق الحريات وسفاكي الدماء وسراق قوت الشعوب وآمالها أو أحلامها الوردية . صحيح أن في العراق ديكتاتورية أفل نجمها وعصفت بها القوات الأمريكية وفرح لها الشعب الذي ظن أن فجرا جديدا يطل عليه ، وأن جراح الأمس سوف تندمل ، وشمس الحرية تشرق من جديد تحمل في ضيائها اشياءا أخرى تعيد إلى الجميع مظاهر الحياة الآدمية التي ألفتها بل وشبعت منها الشعوب الأخرى ، لكنه وبعد ثمان سنوات استيقظ على حقيقة أن آحلامه ما زالت بعيدة المنال وأن بعض إخلاقيات رجال النظام السابق موجودة في تصرفات الحكام الجدد ، وأن الصورة الوردية ( لرجال إسلاميين مؤمنين ) كان يعتبرهم الشعب الأمل في الخلاص تبين انهم متهالكون على السلطة وعلى ملذاتهم  الدنيوية فأصبحوا  كابوسا مرعبا ، بعد أن أصل وجودهم الطاريء الكثير من مظاهر التخلف والجوع والفقر .

لقد بدأ الشعب العراقي يدرك بعد مخاض السنوات العجاف الماضية ، أن أحلامه لم يعد في وسعه أن يحققها حفنة من الوصوليين وعباد الدنيا ، ورجال سلطة نحرت بغرائزها الدنيوية كل آمال الطبقات المسحوقة ، وطفقت تمارس نهما شيطانيا غريبا في قضم المناصب والمال الحرام وقوت الفقراء والمساكين ، لقد مارست الرذيلة الدنيوية بأبشع صورها عندما استخفت بأبناء جلدتها من الكفاءات والعناصر المخلصة ، كي تبقى بعيدا عن انظارهم وهم يمارسون رذيلة سرقة المال العام .

إذن لم يبق أمام الطبقات المسحوقة في غالبية مدن العراق المحاطة بالبرك الآسنة والتخلف العمراني الغائب عن أي مظهر من مظاهر المدنية الحديثة ، مع امتلاك العراق لثروات طائلة ، تسربت لحسابات الأحزاب الحاكمة ورموزها السياسية وحواشيها من الوصوليين ، غير استخدام قوتها وحقها الدستوري في تغير واقعها المؤلم ، وهذا حق ليس في وسع أحد في العالم أن يساومهم عليه ، وخاصة أن حكام السنوات الثمان الماضية بإسلاميهم وليبرالييهم ، ما زالوا في سكرة المناصب التي انستهم كل شيء ، وعمقت فيهم نرجسية وأنانية غير قابلة للإصلاح . كما أن الطبقات المخلصة في المجتمع بدأت تنبه إلى خطورة أن يتصدى الفاشلون قيادة الأمة ، بعد أن ثبت ضعفهم أمام أنفسهم التي لاتفكر بغير مصالحها الذاتية ومصالح المقربين والمحيطين بها .

فلا نستبعد أن تختار الطبقات الفقيرة في العراق بمدنها وأريافها خيار الثورة على واقهم المتردي ، وأن ترفع قبضتها بوجه أناس فقدوا أي مشاعر للوطنية وتخلوا عن أي مسؤولية دينية ، وتحولوا من دعاة إصلاح إلى مفسدين ومدافعين عن الفساد . وهذا ليس محاولة للتجني على جماعة أو فرد ، بل إن أي قراءة متأنية في سلوك الحكومات العراقية الماضية سوف تريك وبما لايقبل الشك صحة ما ذهبنا إليه .

2 Responses to “العراق وبوادر إعصار ثورة المحرومين”

  1. علي الاسكندري says:

    الدكتور الرماحي المحترم
    بعد التحية
    ان الذي اوصل هذه النخب الى سدة الحكم وصناعة القرار التي تتحدث عنها في مقالك هم نحن العراقيون وباصرار غريب على تكرار الخطأ بعد ان رأينا ما رأينا من تعثر ولامبالاة وسرقة للمال العام في الدورة الانتخابية الاولى التي انتهت عام 2010 .. ووجدنا الملاببن من العراقيين الجائعين والباحثين عن بصيص امل والمتبركين بعباءة رجل الدين والخائفين على المذهب من ان يتلاشى ويضمحل واللاطمين والدراويش والمقاولين الصغار والمتحزبين والعشائريين رأينا كل هؤلاء يزحفون مبكرين الى صناديق الاقتراع كل يبحث عن ليلاه ويخطب ودها ولا احد يخطب ود البلاد المخربة وتراكمات الاحزان والقمامة الخرائب التي تعج بها البلاد وكل واحد من هؤلاء يظن باته سوف بعلي من شأن هذه الارض البوار وحقيقة الامر انهم نصبوا على رقاب العباد هذه النخبة المتناحرة .. نعم نحن العراقيون الذبن اتينا بهؤلاء ولقرابة عقد من الزمن .. لم نرعوي ولم نتعظ بسبب قلة الوعي او انعدامه والثقة الزائدة والوائفة لدينا والان نريد ان نتظاهر ضد من نصبناه نائبا علينا او قائدا سياسيا .. علينا ان نصلح عقولنا اولا ونتصالح مع ذواتنا وندع الدين لله وليس لعبد الله ووكيله على الارض فباب الله اوسع من ابواب الاضرحة والمقامات واؤلئك الذين لايزالون في جدل ابدي حول طريقة الوضوء وتحريم اللحوم المجمدة .
    دمت عقلا منفتحا ومفكرا رائعا

  2. حيدر البصري says:

    مايقال من قبل المسترخين نصفه خطأ ونصفه الآخر ليس بسبب الوجع العراقي , انا عاصرت مثل هذه الاصوات .نحن هنا لم نتحرك شبرا واحدا عن بلادنا حتى في لحظات الجوع الاغبر والموت الاحمرولم نزل صابرين حتى بزغ نور الخلاص من هداد الهراق وجاءت الحرية وبرغم السلبيات اقول لكم ان عراقا بلا هدام هو العراق الحقيقي فليمت بغيضه من يمت , ان العراق ان شاء الله الى خير والحكام العرب في طريقهم للحاق به

أضف تعليق

*