العراق في صدارة الدول الأكثر فشلاً .. المشاكل والحلول – علاء خالد غزالة

أصدرت مجلة السياسة الخارجية (فورن بولسي)، وهي أحد إصدارات جريدة الواشنطن بوست المستقلة، تصنيفها لأكثر الدول فشلا في العام الماضي (2011). وقد ورد اسم العراق في المرتبة التاسعة، بعد الصومال وتشاد والسودان والكونغو وهاييتي وزمبابوي وأفغانستان وجمهورية إفريقيا الوسطى.

وقد وضع معدّو الدراسة تصنيفهم اعتمادا على اثني عشر مؤشرا هي: الضغوط الديموغرافية، قضايا النازحين، التذمر الجماعي، الهجرة، التنمية غير المتوازنة، الانحدار الاقتصادي، نزع الشرعية عن الدولة، الخدمات العامة، حقوق الإنسان، الحالة الأمنية، النزاع الطائفي، والتفاعل الدولي.
وللمقارنة، فإن باكستان جاءت في المرتبة الثانية عشرة تليها اليمن، بينما حلت كوريا الشمالية في المرتبة الثانية والعشرين. أما مصر فقد احتلت المرتبة الخامسة والثلاثين، جاءت بعدها بعشر مراتب إيران، بينما قبعت سوريا، رغم استمرار حالة الثورة فيها معظم العام الماضي، في المرتبة الثامنة والأربعين.
ولابد من الإشارة إلى أن العراق حقق تقدما مضطردا، وان لم يكن كبيرا طوال، الأعوام الأربعة السابقة لهذا التقرير. فقد كان تصنيفه خامسا في عام 2008، ثم حلّ سادسا في عام 2009، فسابعا عام 2010، ليصبح تاسعا عام 2011. ويعود الفضل في هذا التقدم إلى حصول تحسن في الوضع الأمني، وانخفاض نسبة الهجرة، والانخراط في المجتمع الدولي، وتخفيف الضغوط الديموغرافية، وتراجع وتيرة التذمر العام. وفي المقابل، فان هناك تراجعا في قضايا مثل التمنية، وتوفير الخدمات العامة، بينما بقيت معظم القضايا الأخرى في حال مراوحة خلال هذه السنوات الأربع.
لاشك  في أن العراق قد مرّ بظروف غير اعتيادية منذ ثمانينات القرن الماضي، من حروب وانتفاضات وقمع وحصار، وصولا إلى الغزو الأميركي عام 2003، الذي كان مصدرا للكثير من عوامل الفشل ضمن الدولة العراقية بسبب قصور عقلية المحتل عن فهم طبيعة تنظيم هذه الدولة، ولاعتماده على ثلة من “المستشارين” غير الخبيرين في الشأن العراقي، وإن كان بعضهم من أصل عراقي، إلا أن جلّ ما قدموه كان لمصلحة شخوصهم، أو أحزابهم، أو لطائفتهم، وندر أن فكروا في تقديم المصلحة الوطنية العليا. هذا المبدأ الذي بتنا نطلق عليه “المحاصصة” كان من اشد الأمور التي جاءت مع الاحتلال، ولكنها ترسخت في ظله ولم ترحل مع جلائه.
بيد أن نظرة على قائمة الدول التي أوردنا بعضها تشعرنا بالأسى لتقدم بلدنا عليها، مثل اليمن التي أمضت عاما مليئا بالفوضى السياسية والأمنية قبل أن تنتقل إلى نوع من الحكم التوافقي، وما رافق هذه الاحداث من سيطرة تنظيم القاعدة على مناطق واسعة من البلاد، ومن المعروف أن هذا التنظيم يتبنى نهجا فوضويا في إدارة المناطق التابعة له، الأمر الذي يفسر تقدم أفغانستان والصومال على رأس تصنيف أكثر الدول فشلا. ومن الملاحظ أن جميع الدول التي تقدمت العراق هي من الدول الأقل قدرة من الناحية الاقتصادية، كما أنها ليست بذات إمكانات بشرية وفكرية كبيرة، على خلاف العراق. يضاف إلى ذلك إن معظم هذه الدول يمر بظروف أمنية خطرة للغاية أو تخضع لأنظمة فاشية تنتمي إلى حقبة عفا عليها الزمن، في الوقت الذي تمضي الأمم قدما في تواصلها عبر وسائل الاتصال الحديثة. وربما كان كل هذا مبررا كافيا لتصنيفها على رأس القائمة. أما العراق، فعلى الرغم من كل المشاكل السياسية والاقتصادية والأمنية التي مازال يعانيها، فهو يتمتع بقدرات ثقافية واجتماعية واقتصادية كان من الأحرى أن تمنعه من تبوُّء مركز متقدم في تصنيف الدول الأكثر فشلا. ألا ترى أن دولة مثل كوريا الشمالية، قد استطاعت أن تتخطى المراكز   العشرين الأولى، على الرغم من العزلة الدولية التي تخضع لها، وانهيار اقتصادها، ونظام حكمها الشمولي الذي لابد انه يقتل الروح الإبداعية لدى شعبها.
من الممكن أن نضع قائمة طويلة بالأسباب التي أدت إلى أن يحتل العراق مركزه الحالي في قائمة الدول الأكثر فشلا. وربما تضمنت هذه القائمة أمورا مثل النزاعات السياسية المستمرة التي تعوق عمل الدولة، وسوء إدارة الموارد المادية والبشرية، وانتشار الفساد على نحو غير مسبوق في هذه البلاد. كما أن أداء السلطة التشريعية ليس بالمستوى المطلوب كنتيجة للتطاحن السياسي، بينما تخضع الكثير من القنوات القانونية إلى ضغوطات سياسية تحد من دورها المرجو في عملية بناء دولة القانون.
لكني أعتقد أن أكبر مشاكل البلاد إنما تأتي من ضعف المفاصل الإدارية للدولة بكافة مستوياتها، التي تصبح أكثر سوءا مع النزول إلى المستويات الأدنى في الهرم الإداري. إن طبيعة بناء الدولة الإداري الحالي قد جعل من الصعب على المشاريع التنموية أن تنجز خلال أوقات معقولة، إن كان لها أن تنجز على الإطلاق. وأدت النظم الإدارية المعقدة إلى إيجاد بيئة غير جاذبة للاستثمار الأجنبي، وثبّطت من قدرات الاستثمار المحلي. فعلى الرغم من تضاعف أعداد الموظفين الإداريين والفنيين خلال السنوات الأخيرة إلا أن الملاحظ أن الأداء قد انخفض بشكل عام عما كان عليه قبل عشرة أعوام مثلا، وهذا ليس من باب المقارنة مع نظام الحكم السابق. فعلى الأرجح إن الكثير من الروتين الإداري الذي بات لا غنى عنه اليوم قد ترسخ تحت ظل النظام السابق، ولكن يبدو أن ما من قدرة سياسية أو تشريعية على تجاوز هذا الروتين عن طريق إعادة النظر في النظم واللوائح والتعليمات والقوانين المرتجلة التي صدرت عن أركان النظام السابق وكان المقصود منها وضع المزيد من العوائق أمام الشعب وجعل حياته أصعب ضمن نهج سياسي موجه لمنع الأفراد والجماعات من الانتفاضة والثورة على هذا النظام.
وإذا أردنا أن نحدث تغييرا حقيقيا في نظام الدولة الإداري الحالي فعلينا أن نبدأ بالقاعدة الإدارية: الموظف الأول المسؤول عن تمشية معاملات الأفراد والشركات وما إلى ذلك. يجب أن ننظر في كيفية جعل هذا الموظف مسؤولاً بشكل حقيقي، وليس عن طريق المعاملات الورقية الكثيرة التي تهدف إلى إزاحة المسؤولية عنه في واقع الأمر. ثم يتدرج الأمر صعودا مع مدراء أكفاء قادرين على اتخاذ قرارات دون التخوف من الملاحقة القانونية، إلى هيئات إدارية ذات بُعد تنظيري يسمح لها بوضع مشاريع القوانين المناسبة لحماية المستويات المختلفة من الهيكل الإداري، أو إلغاء لوائح موروثة غير ذات قيمة في الوقت الحالي إن لم تكن عبءاً على الواقع الإداري للدولة.
وغني عن الذكر أن القدرة الاقتصادية لأي بلد لم تكن يوما ولن تكون أهم عوامل نجاحه. بل على العكس من ذلك، قد تكون سببا لفشله إن لم تتم إدارة الموارد بالشكل الصحيح. فأقل أقطار العالم غنى بالثروة الطبيعية، مثل اليابان، لم تمنعها من تصدر قائمة الدول الصناعية المتطورة.
أدرك أن هذا التغيير سوف يكون صعبا ويقتضي الكثير من العمل الشاق، تشريعيا وسياسيا، قبل أن يمكن  بدء العمل الإداري ذاته. لكن علينا أن نبدأ من نقطة  إذا ما أردنا أن ندرأ عن أنفسنا تهمة الدولة الفاشلة، وكلما تأخرنا في الانطلاق في تلك البداية  أصبح التغيير أصعب. وعلينا ألا ننسى أن تحسين أداء الدولة إداريا سوف ينعكس أولا وأخيرا على المواطن، الذي يفترض أن يصب كل ما يفعله النظام في مصلحته.

أضف تعليق

*