الداعية و الدعوتي – زهير شنتاف

(و العصر ان الانسان لفي خسر الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

 الداعية هو الانسان الذي امن بانه خليفة الله في الارض وعليه مسؤولية جسيمة وبانه لم يخلق سدى بل عليه ان يترك اثرا طيبا بعد رحيله وبالتالي فانه يؤمن بان مرضاة الله هي هدفه الذي يسعى ويجاهد في سبيل الوصول وبالتالي فهو يضع كل وجوده في سبيل خدمة الهدف الاسمى الا وهو اعلاء كلمة الله  واخيرا فان شخصية الداعية تتجسد فيمن يؤمن بالله ورسالته ويعمل في سبيل تطبيقها  الداعية ا كما تؤكد الاية الكريمة (الذين امنوا وعملوا) ..

 ان الداعية الحقيقي هو الذي يسعى من اجل اقامة دعائم التوحيد ويكدح من اجل طاعة الله ولا شيء اخر فلا طمع لديه بشؤون الدنيا ولا يلتفت لمصلحته الشخصية ولا يقدمها على المصلحة العامة فهو للاخرين قبل نفسه واول المضحين واخر المستفيدين فهو الذي يتواصى بالحق ويتواصى بالصبر وعمله خالص في سبيل الله وخاشع امام عظمة الخالق وهذا الداعية الذي يؤمن بانه الخليفة في الارض قد اختار وسيلة ارتأها بانها هي من تحقق هدفه فوجد ان تنظيميا لعمله مع بعض الاخوة الذين يشترك معهم بالكثير هو الطريق الانسب ولا ضير ابدا في ذلك ما دام الهدف هو مرضاة الله وبالتالي فاختيار الوسيلة مقبول مادام لا يتعدى الحكم الشرعي فكان الداعية عضوا في حزب الدعوة الاسلامية .

 من هنا  كان دعاتنا الاوائل محط اعجاب الامة ومورد ثقتهم واطمئنانهم ولهم سلم الكثيرون بالقبول وكانوا السند و الوقى في الكثير من الوقائع والاحداث بل وضحى الكثيرون في سبيل انقاذهم .

 ان الداعية في ستينيات العصر وسبعينياته كان المثال الذي يقتدى به والامل الذي يرنى اليه (بضم الياء)  فهو الزاهد العابد و الثقة المتواضع لا يخون الامانة ويجتنب الاثم و الخيانة و الشبهة لذا عاش الدعاة حياة الزهد و العبادة و الاحترام وكان يقينهم ثابت وقلوبهم صلبه هائدة مطمئنة فالاخلاص ديدنهم وصفتهم التي لم يتخلوا عنها ابدا وكانوا السباقين لفعل الخير ومساعدة المحتاج وتهيئة الاسباب لتقدم الامة ن فلم يكن هدفهم الجاه و المنصب و الرئاسة  رغم انهم كانوا اهلا لكلها ولكن كانوا صادقين في دعوتهم مخلصين في عملهم فلا مطمع ولا مغنم في البال لذا احتار الطاغوت في مواجهتهم فلا هم يلهثون وراء المناصب فيعطيهم ولا هم يضعفون امام المال فيغدق عليهم ولا هم انتهازيون فيفتح امامهم اغراءات الدنيا فلا العزاب منهم كانوا ضعيفين امام شهواتهم ولا المتزوجون منهم كانوا يفكرون بالزواج من الثانية او ثالثة ولا الانثى كانت تحلم بوظيفة سكرتيرة او مستشارة فوقف عاجزا عن حرفهم عن الحق واستمالتهم للباطل .

 كانوا الدعاة الى الله وكانت نجاة الامة من براثن البعث الكافر هدفهم فلم يساوموا ولم يتحالفوا مع البعث لا سرا ولا اتفقوا معه علنا ولم تغرهم ما قدمه لهم من مغريات ولم يقبلوا منه بالوعود لانه كان يدعوا للشيطان وهم يدعون الى الله تعالى .

 لم يجدوا نقطة واحدة للتلاقي وقال لهم البعض ان البعث قد جمع عليكم الكل فاخشوه واتفقوا معه وتباحثوا وادخلوا جبهة او تحالف او اتفاق ولو على الورق لتامنوا عقابه ومحاربته  وملاحقته لكم  فتجسدوا قول البارئ عز وجل ( الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل )  ولما اشتدت الهجمة الشرسة من قوى البغي و الكفر و الطاغوت عليهم اعلنوها بصوت عال ( قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين ) فضربوا اروع الامثال في الصمود امام تعذيب الجلادين وفتحت الامة قلبها واحداقها لاخفائهم عن اعين الجلاد وملاحقة مخابراته واعوانه وازلامه ومن اعتقله الطاغية فقد اظهر قوة الايمان و قدرة التحمل فاذهل زبانية الطاغوت حيث كانوا مصداقا  لقوله تعالى ( ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون) .

 ان الداعية اذا استلم مسؤولية او مركز او سلطة فانه يعمل بما يرضي الله ويعطي المثل للاخرين بانه قدوة فعلا وانه يستحق ان يكون خليفة الله ، فيقدم افضل ما يمكنه ويبتعد عن الشبهات و عن كل ما يمكن ان يسئ ويحاول قضاء حوائج الناس ولا ينبهر بزخارف الدنيا ولا يقدم اقرباءه واهله واصدقاءه الا الكفوءين منهم ويبتعد عن المال الحرام واستغلال السلطة وولا يقول بان الغاية تبرر الوسيلة واذا ما وجد نفسه عاجزا او انه مجبر على ارتكاب الحرام او التحالف مع القتلة و المجرمين فانه اولى به ان يعتذر عن الاستمرار ويوضح الاسباب للامة حتى يكونوا على بينة ومعرفة لانه لا يوجد ما يجبره على ارتكاب الحرام وليست عليه مسؤولية شرعية بالبقاء في موطن الحرام و الشبهة .

 هذا هو الداعية وهؤلاء هم الدعاة  ومن خلال هذه الصفات والافعال و الاقوال والاعمال استطاعوا ان يجعلوا من اسم حزب الدعوة الاسلامية تاجا يفتخر به حتى غير المنتمين له ووبالا ورهبة ورعبا وخوفا وهلعا على الطاغوت وزبانيته .

 نعم لم يكن الحزب الا وسيلة لبلوغ الهدف الاسمى الا وهو مرضاة الله وتطبيق حكمه واقراره لما فيه سعادة البشرية وتحجيم الباطل واطلاق يد الحق لانهم على يقين بان مسؤولون فهم دعاة اقسموا على نصرة دين الله وان موعدهم الجنة لذا تسابقوا للشهادة ( ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم  واموالهم بان لهم الجنة) ليس القاءً بانفسهم بالتلهلكة ولكن لان الرضوخ والاعتراف هو تضحية بالهدف الاسمى والغاية الكبرى فكانت الاية الكريمة ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ) ماثلة امام اعينهم وهم يتدافعون لاعلاء كلمة الحق بارواحهم ودمائهم الزكية فكانوا دعاة بحق وما هذا الاعتزاز الذي نراه في الامة للداعية الا  نتيجة لذاك الاداء وتلك التضحيات .

 هذا هو الداعية فمن هو الدعوتي ؟

 الدعوتي هو الشخص الذي انتمى للدعوة في مرحلة كانت تتصارع داخله  الاهداف وتتضارب لان الايمان لم يتركز في قلبه بشكل كامل حيث يعيش مرحلة الاهتزاز بين الاخرة و الدنيا وصراع الايمان بالله وهوى النفس وبين ان يعمل لنفسه او للامة ولكنه استسلم الى  هوى النفس  الذي اخذ منه ماخذه  فاخذ يجد المبررات لنفسه بان تحقيق طموحه الشخصي هو الهدف الاساس لانه وحسب اعتقاده يصب في الهدف الاسمى ، ولانه صاحب قدرات بسيطة وضعيفة فان الحزب او التنظيم هو الذي يستطيع ان يلبي ويحقق هذا الطموح (اللامشروع ) لذلك صار يغطي عجزه من خلال الدفاع المستميت عن الوسيلة ( الحزب و التنظيم) ويهاجم الاخرين فيما لو اشاروا الى خطا هنا او اشتباه هناك متناسيا بان الاسلام هو الاساس وان الحكم الشرعي هو الفيصل عند القرار.

 ان الدعوتي اصبح لايرى الا التنظيم لانه هو الذي يحقق له اهدافه الشخصية وبالتالي لم يعد يرى ان اخوانه خارج التنظيم هم من المؤمنين ولا الذين معه بالتنظيم يستحقون ان يكونوا ندا له او يفوقوه الا اذا وافقوه وايدوه فلم يكن مستعدا  لان يعترف اذا اخطا  لابل نراه يغطي على اخطاء الاخرين ويدافع عنها كونه من نفس المجموعة التي ترى مصالحها فوق مصالح الامة بل تستصغر الامة كونها لا تلبي حاجتهم التي قد يجدوها عند الاخر الذي لا تربطه بهم وشائج الايمان  .

 هذا الانسان يصاب عادة بالغرور وعدم التقدير الموضوعي ويقع في الوهم بحيث يعتبر قوله هو الصواب  وفعله هو الحق

   و اليقين فتنعكس كلها على ممارساته وتتفاجا الامة بان هناك اشخاص محسوبون على الدعاة ولكنهم ليسوا باخلاق الدعاة.

 وهذه الطامة الكبرى حيث تستغل الفئات المناوئة هكذا شخصيات وهكذا تصرفات لتسيء الى اسم الداعية و الدعوة و التي كانت ولاتزال هي الاساس في العمل وهي المترجمة للعقيدة على ارض العمل .

 هذه الفئة التي تنحرف تدريجيا تتكاتف فيما بينها ضد اخوانها الذين بقوا على نفس العقيدة و الخط والرؤية و الهدف لذلك نراهم لا يستمعون لاحد ويعتبرون بان الكل يتامرون عليهم خصوصا اخوتهم ممن سبقوهم بالانتماء وخاضوا تجارب لم يخضوها وجاهدوا في سوح لم يعرفوها وبالتالي تزداد الفجوة بينهم فيعمدون الى التخلي عن انتماءاتهم عندما يجدون انصارا ومؤيدين من احزاب اخرى ولا يهم حتى وان كانوا لايؤمنونحتى بالعقيدة بينما نراهم يلجاون الى استخدام اسم التنظيم و التلحف به عندما لا يجدون احدا معهم او عندما يغدر بهم الاخرون الذينمن اجلهم تركوا اخوتهم وهؤلاء موجودون اليوم وتصرفاتهم واضحة للعيان .

 وهؤلاء يستعينون بدعاة انتسبوا مصادفة او في غفلة او ظروف غير طبيعية مر بها التنظيم واغلبهم ممن لم يعيشوا المحنة بايامها و لياليها بل لم يعرفوا معنى المعاناة ووجدوا ان خير وسيلة لتحقيق ماربهم هي الاصطفاف مع من يملك سلطة والدفاع عنه بكل ما يملكون حقا او باطلا دون اي تمييز وهؤلاء يسمون بالمصلحيين واحيانا بالمنافقين حيث انهم يريدون تحقيق مصالحهم مهما كان الثمن .

 هذه الفئة واضحة جدا على الساحة حيث استلم بعضهم موقعا واخر توسط لمنحه مركزا واخر صار ملكا للتصريحات المبررة للاخطاء و التقصير ليغطي على نفسه والاخرين ولكن ما هكذا كان الدعاة وما هكذا ربت الدعوة لابل والاهم ما ماهكذا قالت مبادئ السماء ولا هكذا كانت الوعود و العهود ( ان العهد كان مسؤولا ).

 كما ان الدعوة النقية ابتليت بمجموعة جديدة جاءت بعد سقوط الطاغية تحاول ان تصنع لها تاريخا او انها ولصغر سنها تعلمت من اؤلئك نمطا وطريقة في التعامل لم يالفه الدعاة يوما الا وهي النفاقية و المصلحية في الاداء و العمل و التعبير.

 وهذه الفئة واضحة لمن يتابع بعض التعليقات التي يكتبها البعض على المقالات المنشورة حيث تفتقر الى الموضوعية وتدل على هوية المعلق الحقيقية حيث انها تتركز في الدفاع عن شخص وتصرفاته بصورة عاطفية كلامية انشائية دون اي دليل او تصحيح حقيقي للمعلومة المذكورة وفي اغلبها تعتمد العاطفة باختيار الكلمات وتعتبر الانتقاد او الخطا موضوع شخصي ضد فلان او فلان بينما عندما يكتب الداعية الحقيقي فانه يعتبر المتصدي للامر او صاحب الوظيفة لا يعبر عن شخصه  فقط بل انه يمثل دينا وتاريخا مقدسا وبالتالي فهو ليس كغيره وعليه الحذر في تصرفاته واعماله وافعاله واقواله لان الاخرين سيقولون بان هذا هو المسلم وها هم ابناء الدعوة الاسلامية ، لذا ومن هذا المنطلق يعتبر الداعية ان الاشارة الى الخطأ ليس انتقاصا فكلنا خطائين ولكن التبرير اللامقنهع واللامبرر هو المرفوض  .

 لذا فان الدعوة لا ترغب بالدعوتي الذي يراها بانها هي الهدف والوسيلة التي يصل من خلالها الى مصالحه الشخصية ويحقق امانيه التي لايهمه ان تعارضت مع العقيدة و المبدأ وتاريخ مشهود له بالتضحيات والماثر ، بل هي ترغب بالداعية الذي يصون اسمهامن خلال حرصه وحمايته لكل مفردة في المبدا الذي انطلقت من ولاجله الدعوة ( الايمان و العمل ) فيكون بذلك خليفة الله على الارض  بحق وحقيقة .

 ان هذه الحالة تصيب كل التنظيمات السياسية وهي ليست بسبة او تهمة ابدا لان النفس البشرية معرضة دوما للاهتزازات ومنها من يثبت عندما يكون ايمانه عن يقين وراسخا ومنهم من ينكسر وينهزم حيث ايمانه ضعيف او انه لم يؤمن بهذه الطريقة ابدا ولكن التنظيم و الحزب المستقيم يعالج الامراض ولا يجعلها تستفحل بحجة عدم الامكانية في العلاج او ان الوقت غير مناسب لان الانحراف يمكن ايقافه في البداية ولكنه اذا استفحل وانتشر فمن الصعب ذلك وبالتالي يصبح الخطا صوابا و الصواب خطا كما هو الحال ..

 لذا اتمنى من الجميع ان يضعوا مصلحة الاسلام اولا ومصلحة الامة ثانيا امام اعينهم والله الموفق

أضف تعليق

*