الداعية جواد خليفة – أول ظلامة في طريق ذات الشوكة

ولا تبخسوا الناس أشياءهم – صدق الله العلي العظيم
من منَّا بوسعه أن يمنع الناس في أن تتحدث عن ظلاماتهم ؟ وهل في وسع أي قوة في العالم أن تؤاخذ أحدا من أن يصرخ ألماً وهو يشعر بنصل المدية يرسم جراحه في وجدانه ؟ أنا جُرحٌ في هذه الأمة ، وأنت موجة ألم تفصح عن قهر من لون آخر ، ولعل هناك من لاتسعفه مداركه في أن يقول ما يعتمل في داخله من شعور بالحيف ، فيلوك ذلك الألم بصمت ، ينتظر من يتحدث عنه ، أو أن يموت على وسادة الصبر ، حسينا جديدا ، بلون وحجم آخر.

تمر هذه الآيام ذكرى وفاة ، علم من أعلام الدعاة ، شاء رفاق الدرب وأصحاب ذات الشكوكة أن يطووه ، صرخة لم أزل أسمع أصداءها بجلاء ، وأن استعصَى على آذان القوم سماعها بعد أن أصمتها الحياة الجديدة ، وملئها بعجين الغرور وطين المناصب .

نفس كبيرة بحجم العراق ، إلا أنها أبت إلا أن ترحل دون أن تأخذ من العراق أكثر من كفن وصرخات حزن ودمعات من المحبين ، ومع أنها أعطت لهذا الوطن الكثير من الألم والمعاناة والسهر ، بل وحتى من تعب الأكتاف ، لكنها لم تطلب من ذلك الوطن شيئا مقابل ذلك ، لأنها تدرك جيدا أن عطاء الدنيا مهما كبر  يبقى تافها ، كيف وهو يعلم من معلمه علي عليه السلام أن الدنيا بما فيها لاتساوي عفطة عنز .

رحل شهيد الوسادة الحاج جواد خليفة عن العراق دون أن يأخذ منه شيئاً ، ولو أن ثمة منصفاً من رفاق طريق ذات الشوكة في الدعوة ، لكرَّموه حيَّا  وميِّتاً، وهم يدركون جيدا أنهم لم يعطوا للوطن والقضية شيئا ذا قيمة أزاء ما أعطاه ذلك البطل المشطوب من سجلات ذكرياتهم ، وأنا أحسب أنهم يخشونه على دنياهم ميتا كما كانوا يخشونه على تلك الدنيا وهو حي . وهم يدركون أن للوفاء ثمن ، وأن الاعتراف بذلك الثمن يستوجب بسط اليد والفكر والوجدان ، بيد أن تلك الجماعة  منطوية على نفسها تلفها أنانية مقيتة ، ويبعدها سكر السلطة الذي هوى أقوى من سكر الخمرة والمال ، فآثروا أن ينسوه ، كما نسوا غيره .

كان الحاج أبو عبد الله يهتم بالدعاة أكثر من غيره ، كأنه الأب الروحي والأخ الذي يرى واجبا شرعيا في رعايتهم ، فإذا رأى مظلمة أو حيفا سارع إلى إلإصلاح بما تمكنه قدراته المتواضعة ، واتذكر في مطلع سنة  1983 ، أن بعض الدعاة كانوا يشكون من عدم اهتمام رموز الدعوة أنذاك بهم في مدينة قم ، وهم يعانون من شظف العيش والضياع ، وتستشيط الحمية في نفس الحاج أبو عبد الله ، ويسارع إلى ( الشيح عبد الحليم الزهيري ) وهو أنذاك كما هو الآن من رموز الصف الأول في الدعوة ، وأنقل لكم نصاً ما نقله لي المرحوم جواد خليفة مما دار بينه وبين الزهيري :

( ذهبت إلى الشيخ عبد الحليم الزهيري وقلت له : شيخنا أنتم تعلمون أن في قم الكثير من الدعاة الذين تركوا معسكر الأهواز وهم يعيشون حالة من الضياع ، وعدم اهتمامكم بهم يزيد من ضياعهم ، أنهم أبناء الدعوة والواجب الديني يحتم عليكم أن تجدوا لهم ما يصلح أحوالهم .

فرد عليَّ الشيخ الزهيري بعد أن أكملت كلامي :  ماذا نعمل لهم ، نحن متورطون مثلهم ) .

إذن هذه هي ثقافة بعض رموز الدعوة قبل ربع قرن ، وما يحصل اليوم لايختلف كثيرا ، فالقضية لايبدوا أنها تتعلق بالظروف المحيطة بتلك الرجال وأنما هو خلق تقولبت عليه أنفسهم منذ عقود فأصبحوا سواء في الضراء والسراء .

وفي شهر كانون الثاني الماضي ، وأنا في طريقي إلى أربيل للمشاركة في مؤتمر العدالة الإنتقالية التقيت بأحد رموز الدعوة وكان مسؤولي عندما كنت من الدعاة في بداية الثمانينات ، ويعمل الآن في منصب رفيع في أحد المؤسسات المهمة ، لقد وجدتها فرصة لتذكيره  بخطورة استخفافهم بعناصرهم المخلصة والكفوءة المضحية من أصحاب التاريخ لصالح شخصيات تافهة لاكفاءة ولا تاريخ لها ، جاءت بها الدعوة وملأت بها دوائر الدولة ، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما قال لي دون حرج :

اسمع يا أبا مصطفى أن كل الذين عينتهم الدعوة في تلك المناصب عناصر ذليلة  وممن يبوسون ( القـ…….) . شعرت بغرابة ذلك التبرير ، فقلت له : وهل الدعوة مضطرة لتعين مثل تلك العناصر ونحن نريد بناء الوطن ، ولماذا لا تعين الدعوة الشرفاء من الدعاة وأصحاب الكفاءة والتاريخ ، وما المانع من ذلك ؟. فرد علي قائلاً : إن الوقت غير مؤات . فقلت له : غير مؤات ومنكم رئيس الوزراء ، فمتى يكون مؤات إذن ؟ . لقد شعرت وأنا أسمع ذلك أني أسمع إحجيِّة بحاجة إلى حل أو تفسير .

 و البطل ( جواد خليفة ) والذي كان يكنى  (بأبي عبد الله)  نموذجا من عشرات النماذج التي رميت وراء ظهور قادة ( حزب الدعوة) ، لكن هذا الرجل قد يختلف عن الكثير من المؤمنين المجاهدين ، لأنه كان يتميز بكرم إستثنائي وحس إسلامي مرهف وطيبة نفس قل مثيلها وتحمسا صادقا ومخلصا ( للدعوة ) وأفكارها ومسيرتها ، لو وضعته في الميزان لرجح على تحمس كل من يتقلد المناصب الآن في العراق من كوادر الحزب . لقد كان من المضحين الأوائل للدين والوطن وحزب الدعوة الذي كان يعتبره ثمرة من ثمار جهاد الشهيد السيد محمد باقر الصدر ، ولمَّا كان نشطا وقويا في ذات الله رصدته أجهزة النظام السابق في أواخر السبعينات ، ووضعت خطة لإلقاء القبض عليه ، إلا أن المشيئة الإلهية حالت دون ذلك ، واستطاع أن يفلت بجلده ويغادر العراق الى دولة مجاورة ومن ثم التحق بعائلته التي هي الأخرى هربت لدولة مجاورة أخرى . صادر البعثيون منزله وغيبوا زوج ابنته قبل أن يعدموه ويخفون جثته عن أهله ، لكن تلك المصائب لم تهد من عضد هذا الرجل الشجاع وبقي في طريق ( ذات الشوكة ) مجاهدا نشطا لا يدخر أي جهد من العمل في صفوف حزب الدعوة ، لقد أمضى سنوات طوال في العمل بين صفوف المجاهدين ، وعندما رجع الى قم حيث كان يسكن ، اتخذ من هذه المدينة ميدانا لجهادة وكرمه ونشاطه في كل الميادين الإجتماعية والسياسية ، ولعل أكثر ما كان يتصف به هي النفس العالية والهمة الجبارة التي لا تكل ولا تمل من العمل ، لقد كان داعية بامتياز ، وكان لايتواني من تكرار أن الدعوة أمل العراق وشعبه ، وهي التي سوف تنقذ الوطن الأسير من قيود حزب البعث ، وما كان أحد يجرؤ على انتقاد الدعوة ولا الدعاة في حضرته ، وعندما يحرجه البعض  بسلبيات بعض رموز الحزب يسارع في البحث عن ذرائع ليخفف على المقابل ألمه وتحامله ، لم يكن ( الحاج جواد خليفة ) يحب الدعوة وحسب وأنما كان يعشقها.

هذا البطل يعود للعراق ، ولم يلق من أصحاب الطريق الذين كانوا يشهدون له بالبطولة والكرم والشهامة والتفاني من أجل الدعوة وأهدافها ، ويسلبه المرض ذاكرته ، ويبقى في بيته لم يزره أو يسأل عنه أحد ، والغريب أن ذاكرته التي تخلت عن كل شيء لم تتخل عن كثير من رموز الدعوة كالمالكي والجعفري والزهيري ، وعندما أسأله عنهم كان يذكرهم بخير ، فطيبته لم يغلبها لؤمهم وإهمالهم به ، بل بقيت على صورتها ، الناصعة وكأنه يقول لي في سره وأنا أحدثه عنهم : اللهم ارزقني أن اجزي من هجرني بالبر ، و اثيب من حرمني بالبذل ، و اكافي من قطعني بالصلة .

بهذه الروح العامرة بالإيمان والحب فارق الحاج أبو عبد الله دنياه . اللهم أجمعنا معه .

أضف تعليق

*