الحسين (ع) وذكراه في شهر الشهادة

20/02/2004

 تحل علينا هذه الأيام ذكرى خالدة خلود صاحبها ، وهي ( واقعة الطف) التي شكلت منعطفاً تاريخياً مهماً في حياة المسلمين وتاريخهم ومستقبلهم ، فلولا هذه الحادثة ( حادثة الطف) لكان المسلمون في غير حالهم الآن ، ولكان الإسلام منطمس المعالم ضعيف متهلهل ، أشبه ما يكون بالمسيحية التي لم يبق منها إلا الأسم ، ومن جوهرها إلا الرسم ، لكن دم الإمام الحسين انقذ الإسلام من ذلك المصير الذي أراده الطغاة من ( الأمويين) ومن خلفهم من (العباسيين)، فقد أرادت الدولة الأموية بكل مراحلها أن تجرد الإسلام من معناه الحقيقي ومن جوهره، كدين انزله الله من أجل خير البشرية وسعادتها ومثلها الخيرة ، وقد استطاعت أن تفعل الشيء الكثير لتحقيق هذا الهدف الخطير ، فعافت الأمة قادتها الحقيقيين من سلالة النبي الكريم واتبعت عصابات بني أمية ،

 لقد اتجهت هذه الأمة الى الدنيا وغرورها وانقسمت الى قسمين قسم يلهث وراء فتات الأمويين وعطاياهم وجوائزهم ودنياهم المزيفة ، وقسم أنطوى على نفسه وعاف واجبه الشرعي في التغيير وفضل العافية على الجهاد ، وهكذا ارتأت الإرادة الإلهية أن تبقي على بعض من شعلة الإسلام في قلوب ووجدان الأمة ومن أجل أن يتحقق ذلك غفلابد من سبب لذلك وكان دم لإمام الحسين هو السبب المرشح لإيقاض الأمة من سباتها القاتل وخلانها وغنكفائها على نفسها تاركة للطغاة حرية العبث بالإسلام وبمبادئه وقيمه التي رسمها لها النبي الأكرك صلوات الله وسلامه عليه طيلة فترة الدعوة الإسلامية..

 فالإمام الحسين لم يخرج طلباً للحكم ، ولا هو خارج لكي ينتحر في كربلاء أمام أوباش بني أمية وكثرتها ، لقد خرج لتنفيذ سنة الله في خلقه ، وإصراره على الخروج مع علمه بعدم انتصاره في المعركة يدل على ذلك.

 فالله جل وعلا لم يخلق هذا الكون عبثاً ( وما خلقنا السموات والأرض لاعبين). ووضع تعالى لهذا الخلق سنن ثابتة لا تتغير( ولن تجد لسنة الله تبديلا)( ولن تجد لسنة الله تحويلا) ، ومن السنن التي أقرها الله مع وجود الإنسان هو أن الأمة إما أن (تحكم بالعدل) أو أن تكون (مؤهلة للحكم بالعدل) فالأمة والعالم بغير هذين ( المعنيين) يصبح وجودهما عبثاً أو غير ذات جدوى ، ولذا فإن الله جل وعلا ، وعلى طول المسيرة البشرية كان يتدخل في الوقت والمكان المناسبين ليبقى هذين المعنيين أو أحدهما ( حاضرا) لأن المعنى من خلق الإنسان بغير أحدهما يصبح عبثاً وهذا يتعارض مع سنن الله ورغبته. وكان التدخل الإلهي قبل الإسلام  يتمثل في إرسال الأنبياء والرسل ، أو إنزال المعجزات وعقوبات الردع كما حصل مع فرعون وعاد وثمود وغيرهم .

 لكن الله سبحانه وتعالى تفضل على البشرية بالإسلام ، وهو نظام شامل متكامل ، وبما أن الجانب السياسي في ( غاية الأمية والخطورة والحساسية) فقد أحكم الإسلام هذا الجانب من خلال ربط الأمة بجناحيين إلهين وأمر الأمة بالتعلق بهما وعدم إغفالهما حتى لاتحل بالأمة الكارثة، وخاصة أن الجانب السياسي (القيادة) في كل أمة مصدر الكوارث ، فإن صلحت صلحت الأمة وأن فسدت  فسد كل شيء ، لقد كان هذان الجناحان هما ( القرآن ) و ( أهل البيت ) ، أحدهما مكمل للأخر ومفسر له ، فقد أكد رسول الله بما لايقبل الشك والتأويل في أحاديث كثيرة ( نقلها مؤرخو السنة والشيعة) قوله ( إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلا بعدي أبدا) ..

ولذلك فإن الأمويين اقترفوها أكبر جريمة بحق الإسلام  من أجل أن يلتمسوا الشرعية لحكمهم ، وهي أنهما فصلا بين الأثنين بين (الكتاب والعترة) وأشاعوا بين الأمة من خلال الوعاض واصحاب السوء من نقلة الحديث أمثال أبي هريرة وابن حندب وأمثالهما أن رسول الله قال ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ….) – علماً أن السنة منع تدوينها والتعاطي بها خلال فترة الخليفتين الأولين) –  ، وبذلك أبعدوا الأمة عن المشروع الإلهي وأوهموهم بالمشروع الوضعي الذي رسمه الأمويون للأمة ومن بعدهم العباسيون ومن تلاهم حتى يومنا هذا …

 لقد بلغت أمة محمد صلى الله عليه وآله في أواخر عهد معاوية وبداية حكم يزيد حالة يرثى لها من التفكك والوهن ( العقائدي) ولو تسنى لها أن تستمر لوهنت وماتت وأصبح الإسلام محصوراً في ضواحي مكة ، كما هي المسيحية محصورة في أسوار الفاتيكان ، لكن الله سبحانه وتعالى لم يرد للأسلام خاتم الرسالات أن يكون كذلك وأراده أن يكون حياً فاعلا مؤثراً ، ولم يكن غير دم (الإمام الحسين) مؤهلاً لأن يعيد الأمة الى بعض وعيها وأن يشعرها بهوانها وخطورة ما آل إليه حالها.

 وخرج الحسين عليه السلام من مكة صوب العراق وهو يحمل شعار (… إصلاح أمة جدي…) .. إذن هدف الخروج هو الإصلاح بعد الخراب الذي طال العقيدة في نفوس الأمة ووجدانها ، خرج مع قلة الناصر وكثرة العدو ، فهو لم يفكر بالنصر العسكري الآني ، لآنه واثق من النصر المعنوي والمستقبلي ، الذي سوف يجدد للأمة هويتها الإسلامية التي مسخها حكام بني أمية ، ويعمل على تنفيذ سنة الله في خلقه ، وقد استطاع عليه السلام أن يحقق نصراً كبيراً استطاع أن ينتشل الإسلام من الموت السريري الذي كان يعيشه ، وأن يمنحه شحنات من الحياة في كل يوم وكل سنة ، ومع كل ذكرى تعيشها الأمة مع ثورة الحسين وقصة استشهاده ، صموده وقسوة أعدائه ، ترتفع عالياً المباديء التي ثار من أجلها ، والقيم الضائعة التي أوجدها من جديد دمه الطاهر ، وبذلك تشخص هذه المباديء  في كل سنة وتجترها الأجيال جيلاً بعد جيل لتبقى ماثلة في العقول والوجدان الى ما شاء الله ….*

بعض من سيرة الإمام الحسين عليه السلام

ولادته: هو الحسين بن عليّ (ع) الابن الثاني للإمام عليّ (ع) وابنة الرسول (ص) المكرّمة، وثالث أئمة الشيعة، ولد في الثالث من شعبان السنة الرابعة للهجرة، وأجريت مراسيم تسميته كما جرت لأخيه الحسن بن عليّ (ع) على يد الرسول (ص)، وترعرع كما  أخوه الحسن (ع) في حضن الإمـام عليّ (ع)، حيثُ كان مع السيِّدة فاطمة الزهراء (ع) الـملاذ الوحيد لهما بعد وفاة النبيّ (ص) .كنيته: أبو عبد اللّه.

من ألقابه: الرشيد، الطيّب، الزكي، الوفي، السيِّد المبارك، التابع لمرضاة اللّه، السبط.قال النبيّ عنه وعن أخيه الكريـم الإمام الحسن بن عليّ (ع): «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».كانت انتفاضة الإمام الحسين بن عليّ (ع) وثورة عاشوراء الدموية واحدة من أحداث المجتمع البشري الخالدة، والتي كان من أهم أسبابها: الانحرافات التي ظهرت آنذاك في جهاز الدولة الإسلامية، واحتكار بني أمية السلطة، التي كانوا يعملون لأجل الوصول إليها منذ زمن بعيد، وقد عبّر عن هذه الانحرافات أبو سفيان في قوله: «الآن وقد آلت الحكومة إليكم تلقفوها يا بني أميّة تلقف الكرة فوالذي نفس أبي سفيان بيده، ليس هناك بعث ولا حشر ولا نشور ولا جنّة ولا نار»كان معاوية يعمل على توطيد سلطة ابنه يزيد الذي تربع على سدة الحكم بعد معاوية التي آلت إليه في منتصف شهر رجب سنة ستين للهجرة، وكان يزيد هذا رجلاً متفلتاً من كلّ القيم والأصول الإسلامية وأظهر انحرافه بطريق علانية.

بعد وفاة الحسن بن عليّ (ع) في سنة خمسين للهجرة، كانت الشيعة في العراق قد قامت بحركة خاصة وشرعت بمراسلة الإمام الحسين (ع) وطلبت منه أن يعزل معاوية عن أمرة المسلمين، ولكنَّ الإمام ذكر في جوابهم أنَّ له مع معاوية عهداً وميثاقاً لا يستطيع نقضهما، ولما مات معاوية في منتصف رجب سنة ستين للهجرة رأى الإمام الحسين (ع) أنَّه قد أزيلت كل أنواع الحواجز ، وأنَّ الظروف مؤاتية لانتفاضة مثمرة وبناءة، وشرح الإمام (ع) في جوابه لدعوة أهل العراق صفات أمام المسلمين: «ما الإمام إلاَّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ الحابس نفسه على ذات اللّه»

وحيثُ رأى الإمام الحسين (ع) أنَّ مواصفات الحاكم تنتفي من شخصية يزيد رفض حكم يزيد وأعلن الثورة عليه، وكشف عن الأسباب التي دفعته إلى إعلانها: «أيُّها النّاس من رأى إماماً جائراً يحلّل حرمات اللّه وينقض عهد اللّه من بعد ميثاقه ويُخالف سنّة نبيّه، ويحكم بين عباد اللّه بالإثـم والجور، ولـم ينكره بلسانه وعمله، كان حقّاً على اللّه أن يكبّه معه في النّار».

«أيُّها النّاس إنَّهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمان وأفسدوا في الأرض وعطّلوا السنن والأحكام واستأثروا بيت أموال المسلمين وحلّلوا حرمات اللّه، وحرّموا ما أحلّه اللّه، وأنا أحقّ النّاس بالإنكار عليهم»

كما عارض الإمام الحسين (ع) مبايعة يزيد، بعد أن أكره معاوية العديد من الشخصيات الإسلامية على مبايعة ابنه، مبيناً أسباب عدم مبايعته «لقد سمعت ما وصفت به ولدك يزيد من كمال وبصارة، ومن وراء هذا تروم خداع النّاس، كأنَّك تتحدّث عن شخص غير معروف، كأنَّك عليم بشيء نحن لا نعلمه، أظهر يزيد مكانته وكفاءته بهذا العمل، إنَّه ملاعب الكلاب والحمائم، إنَّه مرافق ربات الحجال والعاهرات، وخيرٌ لك أن ترجع مما رميت، وأن لا تزيد أعباءك بالآثام والخطيئات…».

هذا وقد شرح الإمام في اليوم الثامن من ذي الحجّة الذي بدل الحج بالعمرة المفردة، قبال جموع من النّاس، بواعث انصرافه عن المشاركة في مراسم الحج والخروج باتجاه العراق، وقال بصراحة: «خُطّ الموتُ على بني آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أجدادي اشتياق يعقوب إلى يوسف».

ثُمَّ قال: «من كان يريد بذل مهجته في سبيل اللّه ويرتوي بلقاء اللّه فليحضر عندي فإنّي راحلٌ صباح غدٍ إن شاء اللّه».

وهكذا رحل الإمام الحسين (ع) إلى العراق ليُجابه الأمويين وحلفاءهم هناك وكان يعرف أنَّ القوم لا يريدون غيره، فدعا أصحابه أن يأخذوا الليل ستاراً لهم ويتركوه قائلاً: «إنَّ القوم لا يريدون غيري هذا الليل قد جاء فاتخذوه جملاً».

وهكذا استشهد الإمام الحسين في العاشر من محرّم سنة 61هـ، ولكن بعد أن فضح سياسة الحكام الأمويين وأسس لمشروع ثورة عالمي، تجلّت بواكيرها الأولى في حركات التوابين.

كانت أول ثورة بعد شهادة الحسين (ع) هي ثورة التوابين بقيادة “سليمان بن صرد الخزاعي” أحد أصحاب النبيّ، وكان شعارهم كلمة «يا لثارات الحسين»، ثُمَّ أعقبتها ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وتوالت الثورات والانتفاضات حتّى زالت دولة بني أميّة من الوجود وأرسى الإمام الحسين بذلك خطّ الجهاد والمقاومة على المستبدين والطغاة على مرّ العصور، وأصبحت ثورته نموذجاً تحتذي به حركات التحرر.

أضف تعليق

*