(الحرية والأمام زين العابدين)- نبيل الحيدري

  اختلف الفلاسفة والمتكلمون حول تعريف و مفهوم الحرية وهذا يحتاج الى بحث مستقل لن أخوض فيه الآن.

كما حصل الخلاف بين الاشاعرة والمعتزلة حول الجبر والأختيار. فادعى الاشاعرة ان الانسان مجبر، واستدلوا بآيات مثل {وما تشاؤون الا ان يشاء الله}، {وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى}، {ءأنتم تزرعونه ام نحن الزارعون}.

أما المعتزلة فرأيهم أن الانسان مختار وليس مسيرا، واستدلوا بالعقل وكذلك بآيات حيث المسؤولية ويطالبنا الله بالعمل مثل{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} {وقفوهم انهم مسؤولون} {قوا انفسكم واهليكم} وكذلك العقاب والثواب والجنة والنار فلا معنى لكل ذلك لولا الأختيار.

فى الواقع الانسان مجبور في خلقته وتكوينه كزمان ومكان ولادته، وأمه وأبوه ودينه ومذهبه الولادى، ولكن من حيث العمل فإن الانسان مخير بامكانه أن يعمل او لا يعمل، والقلب منطقة حرة لايستطيع حتى الطغاة السيطرة عليها، آسية زوجة فرعون كانت تؤمن بالله {رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله}. كذلك العقل والفكر منطقة حرة مختارة.

هنالك أنواع عديدة للحرية أذكر أهمها:

1. الحرية الذاتية فى قبال ان يستغرق الانسان في عبوديته للهوى أو الشهوة أو الشيطان أوحب الدنيا. قال تعالى {أرأيت من اتخذ الهه هواه}، {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}، .

قال الحسين عليه السلام :(إن لم يكن لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد فكونوا أحرارا فى دنياكم).

قال زين العابدين(ع) (من ترك الشهوات كان حرا)، (من أحب الدينار والدرهم فهو عبد الدنيا) ،(صاحب الدين رفض الشهوات فكان حرا) .هذه تربية روحية عالية يزرعها الإمام السجاد في الصحيفة السجادية زبور آل محمد.

وإن من حكم تشريع العبادات كالحج والصلاة والصوم هى الحرية والسيطرة على الشهوات والبعد عن الشيطان وتربية الروح والشعور بمراقبة الله و تهذيب سلوك الانسان وربطه بالعالم الآخر وعاقبته من الموت ومابعده وتذكيره بنعم الله.

 كما أن من حكم التحريم الذي صدر للربا والخمر والميسروأمثالها هو لتحرير الانسان من الأستغراق فى حب المال والشهوة وأجواء المنكر. قال تعالى {قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} فهى فاحشة بنفسها وقد أدرك العقل قبحها فحرمها الشرع لأن ما حكم به العقل حكم به الشرع. وكذلك قوله تعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} فالطيب بنفسه وذاته طيب، والعقل يدرك ذلك، ومن ثم يحكم الشرع بحرمته لشدة ضرره.

2.الحرية الفكرية والعقائدية.

وهى حاجة إنسانية ضرورية ولايمكن الرقى بدونها. قال تعالى {لاإكراه فى الدين}{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}. لذلك يؤكد القرآن على العقل والفكر والتدبر { أفلا يعقلون} {أفلا يتدبرون} {أفلا يتفكرون}. وحتى للقرآن نفسه {افلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها}،{واذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون} وشتان بين (يفكرون ويتفكرون) وبين (يسمعون ويستمعون) ليكون العمق الفكرى موصلا الى رؤى واسعة عميقة تستوعب حاجات الأمة وتعالج أزماتها.

قال الامام السجاد(ع) (كانت اكثر عبادة جدى علي (ع) التفكر).

العقائد لا تقليد فيها وهذه هي الاصول التى يصل المرء إليها بالعقل والفكر والدليل حتى فى إثبات وجود الله ووحدانيته وعدالته …

وقد ذكر الله فى القرآن اقوال وأفكار الكفار والمشركين الى درجة ما قاله  فرعون و ابليس.

قال تعالى{وانا أواياكم لعلى هدى او في ضلال مبين} مع الكافر الذى لايؤمن بالله يجعل له مجالا 50% ليعطيه فرصة متساوية فى التعبير عن رأيه والأستماع إليه، لاقمعه وطرده لمجرد كونه كافرا أو مشركا. هذا هو منطق الحوار الموضوعى الهادف. لكن الذى يخاف من الفكر الآخر هو الضعيف الذى لايمتلك حجة قوية عقلية.

الامام السجاد(ع) تحاور مع الكفار والمشركين وأصحاب الملل الاخرى بعد أن أعطاهم الفرصة الكاملة للتعبير عن آرائهم حتى أسلم بعضهم وأقر بعض آخر بقوة أدلة الإمام قائلا (الله أعلم حيث يجعل رسالته).

هذا منطق على بن أبى طالب(ع) عندما يخاطب زعيم الخوارج (من علمكم قتل الناس على آرائهم) يجيبه الخارجى (أنا لاأؤمن بما تقول ولاأصلى خلفك) يجيبه الإمام (لك كل ذلك) أى هذه حقوقك الطبيعية (ولك أكثر من ذلك) يعلمه الإمام حقوقا إضافية لايعرفها. ولكن أين الحد الفاصل (ولكن بينى وبينك ظلم الناس وقتلهم) فما دمت لاتعتدى على الآخرين فحقوقك مصونة.

مشاكل الفكر المعاصر

  1. سطحي ساذج متخبط ومرتبك ، فأين المفكرون المصلحون المبدعون كالشهيد الصدر ومحمد عبدة وجمال الدين ومحسن الأمين والكواكبى وأمثالهم؟عناوين واسماء وما أكثرها لكن بدون محتوى قال الإمام على (لاتنظر الى من قال بل انظر الى ما قيل)
  2. جهل مركب مع تعصب. يقول الامام علي عليه السلام (ما حاججت عاقلا إلا وغلبته وما حاججت جاهلا الا وغلبني). يعني الحوار مع الجاهل يفتد أسس الحوار الموضوعى الهادف كما أن البدهيات عنده غير واضحة .
  3. سيادة العاطفة والمشاعر بدل الوعى والعقل والفكر {ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} {لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لايبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها. أولئك كالأنعام بل هم أضل}. وفي الحديث (الناس ثلاث: عالم رباني أو متعلم على طريق نجاة أوهمج رعاع يميلون مع الريح أينما مالت).
  4. سيطرة العادات والاعراف والتقاليد واتباع البيئة والأهل {قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا..}.
  5. هجين غير متجانس يحوى اللبس وخلط الأوراق {بل هم في لبس….}
  6.  الشهيد السعيد محمد باقر الصدر قسم المراجع الى قسمين وطرح (المرجعية الرشيدة والصالحة)لتحويل المرجعية من فردية إلى مؤسسة كبيرة فقامت القيامة ضده واتهموه وحاربوه وهناك مذكرات كتبها بخط يمينه تعكس  مدى ظلامته من الحوزة ورجالاتها “المقدسين” وسوف ننشر بعضها مستقبلا.

3.الحرية الاجتماعية:

العلاقات الأجتماعية و حقوق الاسرة؛ الزوج والزوجة والأبناء ، والمرأة والجاروالصديق… تجدها فى أروع صورة عند الامام زين العابدين ورسالته للحقوق وهى تراث موسوعى ضخم وعظيم.

احيانا الرجل يستعبد المرأة ويحجر عليها. الزهراء فى المباهلة وفى المسجد وذهابها الى بيوت المهاجرين والأنصار، وزينب ورحلتها فى العراق والشام ومصر، وخديجة وهى تاجرة معروفة ؛ كلها لم تكن كذلك محجرة ولا مستبعدة حتى من الموقع السياسي والإجتماعى. واحيانا المرأة هي التي تسعبد أوتستبعد الرجل عندما تكون قوية و يكون زوجها ضعيفا.

 نشاهد احيانا فى المجتمع؛ القوى يأكل الضعيف، والغني يستغل الفقير، لكن (الناس سواسية كأسنان المشط وكلهم من آدم وآدم من تراب، ولافضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى)

ماركس يعتبر حقوق الافراد وهم برجوازي ويقول (إن الحقوق للمجتمع وليس للأفراد).

توجد مدارس فكرية تنظر للعبودية وتراها أمرا طبيعيا وحتميا. فالمدرسة الأغريقية قسمت البشر الى قسمين يونانيين عقلاء وبرابرة متوحشين ثم شرع كل من إفلاطون وأرسطو شرعية ممارسة الرق كظاهرة طبيعية فى المجتمع بعكس الأسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية وقوانينه الكثيرة فى تحرير العبيد.

أكبر مشكلة إجتماعية واجهها الامام السجاد هى مشكلة العبيد. عادة بسبب الحروب ووقوع الخصم أسيرا فيتحول الأسير الى عبد أو أمة. وهنالك 4 وسائل تم التعامل بها معهم:

  1. نتيجة لأن بعض الأسارى قد حاربوا الأسلام وقتلوا من المسلمين فطبق بنو أمية على بعضهم القصاص (القتل بالقتل) مع وجود الثأر العشائرى الذى يحب الأنتقام  عند من فقد رحما. لكن الحقبقة أن من الأسارى من لم يقتل وقد اضطر للحرب كما أنه أنسان قد ينفع خصوصا إذا اهتدى.
  2. ما فعله البعض باستعباد الأسارى كل حياتهم بحيث لايرى نسمة من الحرية أبدا. وهذا خلاف سيرة النبى(ص) والعقل والأخلاق,
  3. الحماس العاطفى لبعض المؤمنين جعله يطلق بعضهم أحرارا بعد الأسر مباشرة. وهؤلاء لايمتلكون مالا ويعودون الى قومهم وأجوائهم السابقة مما قد يعودوا يحاربون المسلمين مرة أخرى.
  4. الأفضل فى أسلوب الإمام السجاد(ع) حيث اشترى اكثر من 3000 من عرق جبينه وقام بتوعيتهم وتعليمهم الدين والحرية والكرامة ثم يكرمهم  ويطلق سراحهم. حتى أنه تزوج أمة بعد تحريرها فعاتبه الخليفة فرد عليه الإمام بسيرة رسول الله (ص) والقرآن الكريم.

كما واجه الأمام مشكلة الفقر حيث كان يحمل الجراب ليطرق بيوتهم وهوينادى (أللهم حبب إلى صحبة الفقراء) لذلك كان معروفا فتنفرج الصفوف إليه سماطين ليمسك الحجر عندما عجزهشام وحاشيته عن الأقتراب منه.

4. الحرية السياسية: {ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم}. لذلك شرع الجهاد لتحرير المستضعفين {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها}. قال الامام  السجاد (ع) (لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا). يعتبرالارهاب السياسي من اخطر ما يواجه المصلحين والأحرارفهنالك عدد هائل ممن قتل أونكل به أو لازال فى الزنزانات.

 وهناك قلب للمفاهيم باسم الدين. يقول أبو بكر ابن العربى الاندلسي فى كتابه العواصم (قتل الحسين بسيف جده لأنه خرج على إمام زمانه) يقصد يزيد بن معاوية.

يقول هيغل: (الحرية تكتمل بالدولة). ارسطو يقول (ان القانون يساوي الحرية).

مروان بن الحكم يقول (ماذا تريدون من ملك ألبسنا الله إياه) فجعل نفسه ممثلا لله وإرادته

لذلك كان السجاد(ع) كان يتحدث عن الظلمة وهو يدعو(اللهم ان الظلمة جحدوا آياتك …).

يقول صبحى الصالح (كان زين العابدين يشيع العدالة والمساواة ورفع الحيف والظلم..)

علاقة الامام زين العابدين عليه السلام بالله هو سر عظمته. معرفته بالله أولا ثم حبه لله بكل وجوده ومشاعره..

(اللهم من تهيأ وتعبد وأعد واستعد لوفادة الى مخلوق رجاء رفده فاليك يا مولاي تهيئتي وتعبئتى واستعدادي) (إلهى من ذا الذى ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلا…) (اللهم فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق اليك فى حدائق صدورهم) هذه هى الحرية الحقيقية التى تتحرر من كل عبودية وعنوان غير الله.

حسب الاعلان العالمي لحقوق الانسان1848؛(للمرء الحق فى حرية التفكير والمعتقد والدين والرأى).

دستور امريكا 1789 لحقوق الأنسان؛ (حرية الكلام والصحافة والدين وعدم الإعتقال الإعتباطى …) كلها حقوق مكتوبة نظريا فالممارسات اللاإنسانية تزكم النفوس ونراها يوميا فى رخص الإنسان وانتهاك كرامته وانسانيته فى مختلف بقاع العالم لاسيما فى عراقنا الحبيب.

مختصر محاضرة فى لندن بالمناسبة.

أضف تعليق

*