التغيير في العراق وأيهما أقوى ريح الشمال أم شمس الجنوب – محمود هادي الجواري

من الحقائق التي لن تموت و التي لا يمكن لآي ذو شأن طمرها ومهما كانت منزلته التسلية وهيمنته السياسية ، ولكن يمكن للبعض التغطية عليها أو حجبها وكذلك لايمكن له أن يستغفل شعبا حيا بنتائجها التي ستحرقه لأنها حقيقة وسينكوي بلهيبها لأنها تنمو وتكبر في ضمير كل عراقي لا يريد مجانبة الحقائق ولأنها رسمت لنا صورة مروعة عن الماضي القريب والحاضر الذي نعيش والمستقبل الذي ما زلنا نختلف على كل تفاصيل مكوناته فهو يبدو ألان شبه مجهول لأننا ما زلنا كمن يتخبط في ظلمة ليل حالك ……ولكون أن أحداثها وقعت في الماضي القريب فشهودها وشهدائها ما زالوا حاضرين ولم يمضي جيل على حدوثها فهي تعاصرنا وتعصرنا وبقوة ونحن ما زلنا لم نبلغ مرحلة الوعي كي نستطيع ترتيب مواقفنا مواقفنا في هذه الأيام التي نعيش وماذا نريد نحن أولا وما يريده الآخرون منا ثانيا … على أساس هذا الفهم علينا كشف ما هو مسكوت عنه ولسنين طوال لكي نستطيع أن نستلهم من العبر والتجارب ما فات علينا عنوة ولكي نستطيع أن نرسم لنا خطا في الشروع للعيش وسط أحضان الحقيقة وكذلك نستطيع رسم سياساتنا الآنية والمستقبلية القريبة أو الإستراتيجية … من هنا يمكن لنا إن نقول إننا امتلكنا ناصية إدارة شؤوننا وبمعزل عن املاءأت الآخرين وبملء إرادتنا . في ذات مرة وكان الحلم الوطني أراد الشعب العراقي التغيير وانطلق في انتفاضته العارمة إلى كل المدن المضطهدة والتي مورست ضدها أبشع صور القهر والتعسف ومصادرة كل الحقوق ، ناهيك عن سياسة القمع والتجويع ، فماذا أنتج ذلك الهيجان الجماهيري وكيف عومل من قبل أعداء الأمس وهم حلفاء اليوم ؟؟؟ ولكي اربط جسد الحقائق الدامية مع مقتربات ستعبد الطريق إلى مفاهيم جديدة مغايرة للمنطق ومعاداة لمبادئ الإنسانية ومنها على سبيل المثال اليد التي لا تستطيع تلاويها عليك أن تقبلها وهذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم … ولو عدنا بذاكرتنا إلى الوراء وليس عميقا في السنين البعيدة والى ما يقرب من ثلاثة عقود سنقف عند محطة نهاية الحرب العراقية الإيرانية ومرحلة الدخول في حرب جديدة مع الكويت ومن ثم الانتفاضة الشعبانية المباركة .. كانت كل واحدة من تلك الإحداث لها أثرها في تلك المرحلة وأعطت نتائجها وبشكل آني هذا من جانب ، وكذلك لها تبعاتها وأثرها في المنظور الغير المرئي والبعيد من الجانب الأخر .. أي أن ما نلمسه اليوم من رسم للسياسات هو لا يمكن أن يتعدى الأطر المصممة لتلك الإحداث ويمكن أن أقول هي نتاجات واقعية ومخاض للعقلية الغربية والتي تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين للوصول إلى ما نحن عليه اليوم مع جملة من المتنصلات والوعود التي قطعتها الولايات المتحدة الأمريكية على نفسها بعيد فشل الانتفاضة والتي أوعزت إلى طاغية العراق بقمعها والتعامل معها وبأبشع الصور وكلنا يعلم دور المملكة العربية السعودية والأردن وكذلك سوريا إيران وسوريا التي لعبتا دورا مزدوجا ، وكذلك حيال القضية العراقية برمتها من حيث الشعب العراقي والإقليم والتي سوف تليها في رسم خارطة الشرق الأوسط الجديدة .. ،،، إذن علينا أن ندرك إننا ما زلنا في تبعات نتائج لم نصل أليها بعد وان السحر الغربي والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لم يكتمل بعد … كل الإرهاصات التي نسمعها ممن هم سائرون في الركب الأمريكي أو المناوئون له هم على علم أين تمخر سفينة العراق السياسية وفي أي بحر من بحار الهيمنة الأمريكية سترسو وما الاختلافات التي نراها ونسمعها بين الكتل السياسية الست كلها تمسك بمقبض إدارة دفة السفينة وهم يعرفون مع سبق المعرفة أنهم لن يصلوا إلى مرسى وإنما الشعب العراقي هو القادر إلى جر تلك السفينة إلى شاطئ البر الآمن … ولي أدلة قاطعة وأمثلة كثيرة لربما تم حجبها عن أعين أو مسامع العقلاء والمتفقهون في الشأن السياسي العراقي ولكن اليوم تتكشف كل النوايا وكل ما هو مبيت ضد إرادة الشعب العراقي الذي يلعق بجراحاته تحت المسميات التي اتخمت الصدور وضمرت العقول لتغفوا على سيمفونية الحرية والديمقراطية ولكن سرعان ما تصحوا على فرقعة الانفجارات وأزيز الرصاص الذي أصبح مألوفا و ينساب بكل هدوء وسكينة إلى صدور من يعترض المسيرة الأمريكية وباتجاه إضعاف شعب كان له الصدارة في قول كلمة الفصل في المحافل الإقليمية والدولية .. اليوم خفت هذا الصوت و لا تريد إن تسمعه حتى الدول التي أعناها على تحقيق مصيرها في العقود المنصرمة ..ولكي أعيد إلى الذهنية العراقية التي شابها اللبس والخلط ولربما تراكمت عليها الإحداث أن المخطط الانكلوامريكي والمدعم بقوة من الصهيونية العالمية وفي حديثي هذا ليس هناك مكان للقاعدة أو أزلام البعث المباد فهولاء مقدور عليهم شعبيا وجماهيريا ولكن اللعبة للأسف الشديد هي ابعد بكثير مما يتحجج به القادة السياسيين الجدد ولا يريدوا الاعتراف أنهم طرف سالب وسلبي في معادلة الشرق الأوسطية الجديدة الذي تقوده الدول الامبريالية … ومن يتذكر حصيلة الإحداث بعيد الانتفاضة الشعبانية وما أسفرت من الدموية والعنف والإيغال في دماء المدركين للسياسة الأمريكية واللعب الصدامية التي كانت تصمم له في كبح جماح حركة شعبية عفوية عارمة لم يكن وليد الصدفة ولم يكن إمام الطاغية من الخيارات الكثيرة الا تنفيذ المخطط الأمريكي الأحادي السكة فلا لف أو دوران وإنما كان يجب عليه المسير وهو يعلم أن كل ما يفعله هو الاقتراب الحقيقي من الأجل المحتوم .. وترون اليوم أن رياح الثورات التي تعصف السياسات العربية ملوكا ورؤوسا وامراءا لهي تفصح لنا عن عدم إمكانية أولئك الحكام الطواغيت من ترك عروشهم ومغادرة مقاعدهم التي تعفنت بأمن وسلام .. إذن الشعوب العربية ومنها العراق الذي انصاع إلى خيار تغيير خارطة الشرق الأوسط الجديدة طواعية وبمعزل عن رغبة الجماهير المعارضة التي عاشت لوعة المعارضة الحقيقية كانت تتطلع إلى تغيير نظام الحكم في العراق وبأيادي عراقية وطنية خالصة هي اليوم تعيش حالة الإقصاء والتهميش وتمارس ضدها أنواع الضغوط وحتى المعيشية واليومية وان كانوا مستقلين وتركوا الأمور إلى الشارع الذي يجب عليه تقدير الصواب من الخطأ … إذن الشعب العراقي وبكل أعراقه وطوائفه ومذاهبه لهو ضحية احتلال دام وبغيض أراد لنا ومنذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية ولربما لعقود سبقت أحداث الحروب الصدامية بكثير أي منذ فجر الرابع عشر من تموز عام ثمانية وخمسون ومغادرة الاحتلال المبطن وحتى دخول الاحتلال رسميا العراق في عام إلفان وثلاثة ، كان الغرب يخطط ابتغاء الوصول إلى الأراضي التي يسيل لها اللعاب وتراه اليوم يترجم كل نواياه في نهب ثروات العراق نهارا جهارا وجاء بمن يستطيع إن يضع السيف على الرقاب لتمرير مخططاته التي تنعش اقتصاده الذي كان حتميا يسير إلى الهاوية وحسب تكهنات العلامة السيد محمد باقر الصدر الأول رحمه الله و رضوان الله عليه … إذن لم تهب رياح التغيير على العراق كما هو مألوف وفق الخارطة الجغرافية … وكلنا يعلم أن ريح الشمال الباردة التي تنعش أهل الوسط والجنوب في أيام القيض قد توقفت وأخذت تبعث لنا سموم تجرع الأمر الواقع وفرض الريح الصفراء التي تدعوا الى التناحر والاقتتال بين إفراد الشعب العراقي في الوسط والجنوب على ان لا يحدث ذلك في الشمال ، ولم تهب ريح اهوار الجنوب المحملة بالدفء لأهل الشمال في شديد البرد القارص .. هذه المعادلة البيئية التي ألفناها هي الأخرى قد غيرتها الأمزجة والاهوء السياسية والتي خطط لها الغرب ويهلل لها أناس ممن هم عديموا الذاكرة وقليلو الفطنة والحنكة والذكاء .. وكلنا نعلم ما كان يختفي وراء الخطوط التي رسمها الغرب والتي سميت حماية الشمال والمتمثلة بخط العرض 32 والأخرى بحماية جنوب العراق المتمثلة بخط عرض 35 الخطوط الخفية والتي لم يفصح عنها المحتل كانت تلك الخطوط هي الخارطة التي سيتم تقسيم العراق بموجبها إلى أقاليم ثلاث هما الكردي والمتمثل بشمال العراق والسني المتمثل بوسط العراق والشيعي المتمثل بجنوب العراق .. ومما نشهده اليوم أن هناك دأبا على التمرين لقبول هكذا تقسيم ولكن الشعب العراقي وبرغم الضغوط المسلطة عليه كان يقف وبقوة إمام مشروع تقسيم العراق وبرغم أن الدستور العراقي قد تم تشريعه على هذا الأساس البغيض لتمزيق وحدة العراق ولكي يكون لقمة سائغة للمصالح الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .. إذا العراقيون يريدون تناسي حرب الشمال بين الحكومة العراقية والقيادات المتمردة في الشمال ، عليهم أن يتذكروا أن الجيش العراقي الذي كان يرسل إلى الشمال للقضاء على التمرد الكردي والجيوب التي سببت القلق ومنذ إعلان فجر الجمهورية العراقية ، كان الأولى بهم معرفة إن قوام الجيش الذي كان يرسل إلى الشمال كان اغلبه من سكان أهل الجنوب ومن سواد الشيعة .. إذن من هناك كانت تحاك المؤامرات من اجل إجهاض قوة العراق ولم يكن أمام الغرب من خيار سوى تقسيم العراق وفي الدستور العراقي الذي جاءنا بالفيدرالية البغيضة ولم ينته ذلك إلى هذا الحد بل إن المعلن من الأكراد هو المطالبة الكونفدرالية والأكراد يعملون وبقوة وحتى إذا كلفهم ذلك تمزيق العراق بأكمله وكلنا نعلم ماهية الاتفاقيات الاسرائلية مع إقليم كردستان وعندما كنا في المعارضة إبان فترة التسعينات كانت البعثات الإسرائيلية التي تحمل الإعلام الهولندية هي التي دعمت وما زالت تدعم مشروع انفصال كردستان وليس هناك من قوة تقف بوجه هذا المخطط سوى تركيا التي تدرك لعبة الموساد تقف بالمرصاد وترصد كل التحركات لوقف هذا السرطان الذي يسير خلسة بالإقليم إلى هوية مجهولة في خارطة الشرق الأوسط الجديد .. إذن المغزى والمهام واضحة في تدافع الساسة العراقيين في عقد مؤتمراتهم في كردستان ولا اعرف كيف يتبع الكل الجزء وما ترتيب رسم سياسة الحكومة الحاضرة لم يأتي الا من وحي عقلية كردية واضحة الأهداف والمعالم فهي قادرة على تفخيخ الموقف السياسي وكذلك تستطيع تفجيره وقتما تشاء إذن ريح الشمال الباردة والتي تحمل في طياتها تبريدا للغضب الجماهيري هي قادرة على نسف العملية السياسية متى أرادت ذلك لأنها هي من ترسم السياسات للكل وهذا منافي للاستقلال الوطني والأخلاق السياسية ولكن متى نتعض ونقول أن الجنوب لا يستطيع أن يدفع بريحه الدافئة إلى الشمال من اجل عراق موحد يستطيع المركز المتمثل بالحكومة العراقية أن تدافع عن الجنوب وبنفس الروحية التي تدافع عن الشمال ، اليوم تداس الأرض العراقية من الجنوب ، وتقطع عنها المياه من الشرق وتقصف الناطق الآمنة والأهلة بشعب فقير في الشمال ناهيك عن المحاولات في تحويل مجرى نهر دجله ليصل إلى إسرائيل والكل يعلم أن الطبخة قد أعدت في إقليم كردستان بين الإمارات وقطر والكويت وما السكوت من قبل وزير الخارجية ما هو الا إجراء مدفوع الثمن ومسكون عنه لأنه لا يمس بالمباشر سكان أهل الشمال الأكراد إخوة لنا وعليهم أن لا يتمادوا في الا يغال بشعب العراق لان الله بالمرصاد وسيدفعون ثمن غلوهم في المفاهيم السياسية والنهج البرغماتي وروح الانفصال ….

أضف تعليق

*