ازمة تشكيل الحكومة العراقية ازمة سياسية ام اخلاقية ؟-هادي والي الظالمي

   فتح باب ( الاجتهاد في تقدير المصلحة الوطنية ) خارج الاطر الدستورية يمثل انقلابا على الدستور . الامر الاكثر خطورة في هذا التطور ان المحكمة الاتحادية ( وهي المحكمة الدستورية العليا في العراق ) قد مارست الصمت على الخروقات الدستورية المتعددة للسلطتين التنفيذية والتشريعية بل وصارت تباريهما وتسجل عليهما سبقا ، في هذا الميدان .

  مايثير الحيرة حقا ، ان هذه الاجتهادات التي تمارسها اذرع السلطة الثلاث لا تتم في  مساحة غياب النص التشريعي بما يعطي للاجتهاد مبررات شكلية ، انما  تاتي بمخالفات ازاء نصوص دستورية واضحة ترتبط باعراف وتقاليد وممارسات سياسية راسخة ولاتقبل التأويل .

 امام هذا الواقع ، تصاعدت نبرة الدعوة الى رفع القدسية عن النص الدستوري  بحجة  التعارض  بين  النص  و المصلحة الوطنية وفق التقديرات السياسية ، وهو  منطق  انقلابي  خطير  ينحى    باتجاه  شرعنة القوة على حساب قوة الشرعية المتمثلة باعتماد الاليات الدستورية والقانونية في التعامل مع النص الدستوري وتغييره ، والاستخفاف بالارادة الشعبية التي عبر عنها الاستفتاء الشعبي على الدستور العراقي  .

 ان كون المحكمة الاتحادية تقف على راس المؤسسة القضائية ، والحارس على حسن تطبيق القوانين ، لايعفيها من طائلة القانون والمحاسبة .

 وربما يشهد البرلمان القادم تفاعلات من هذا القبيل .

  وبانجرار  المؤسسة الحامية للدستور الى ساحة القبول بالخروقات الدستورية ،  و اضفاء الشرعية  عليها  عند تعاملها مع طلب  فخامة  رئيس الجمهورية بخصوص استمرار هيئة الرئاسة في مهامها ، يكون القضاء العراقي قد انتقل بالعملية السياسية من واقع الارتهان للأزمة السياسية الى السقوط في ازمة اخلاقية .

 ان الشكل السياسي  لأزمة  تشكيل  الحكومة ، يجعلها حتى في اشد الحالات تعقيدا ، تتلمس طريقها الى الحل ولو  مع انعدام خيارات التوافقات السياسية لأطرافها ذلك ان تلك الاطراف ستجد نفسها في مواجهات قانونية ودستورية ذات استحقاقات زمنية ليس بمقدورها تجاوزها .هذا ( الحل ) اصبح بعيدا عن المتناول ازاء توافقات كل مستويات السلطة وفروعها على استباحة الدستور ، وهو مايمثل جوهر ازمة اخلاقية اكثر عمقا من الازمة السياسية عندما يحصر الحلول في النوازع و الروادع الذاتية للاطراف السياسية والتي باتت شبه معدومة مع تنكر القوى السياسية  للقيم  الاخلاقية الاساسية للديمقراطية في الحرية والعدل والمساواة . وهو مايؤكد ان العارض السياسي ناشئ اساسا عن ازمة اخلاقية عميقة ترتبط بجوهر الايمان  بعملية التغيير التي حصلت في العام 2003 والقيم العليا للديمقراطية .

 فالقوى السياسية الفاعلة ، وتحت عنوان المصلحة الوطنية العليا ، حاولت تكييف الديمقراطية الجديدة مع الخصوصية الوطنية ، الا انها وفي خضم انشغالها بالصراع على السلطة والمصالح الحزبية ، وجدت نفسها تغرق من جديد في وحل الارث الثقافي الشمولي – الاستبدادي للدولة العراقية التي افتقرت خلال تاريخها الطويل الى الممارسة الديمقراطية .

 ان فشل المسيرة الممتدة منذ العام 2003 في انتاج ثقافة التعايش مع الاختلاف والتداول السلمي للسلطة واعتماد شجاعة الاقرار بالخسارة تقف وراء الشكل السياسي لازمة تشكيل الحكومة . لقد امتد هذا الفشل ليشمل جميع اوجه  السلطة  في البلد والتي مهدت وكرست واقع الانتكاسة الدستورية .

 وفق هذه المقاربة ، يبدو الخروج من ازمة تشكيل الحكومة في وقت قريب معطلا ، بسبب انعدام الحافز الذاتي  لدى  الاطراف  الأساسية  في  الصراع .وهو مايجعل الدخول الدولي على خط الازمة واردا بعد بروز الدور الاقليمي بشكل واضح خلال الايام الماضية .

 قد يكون الوقت ، حتى مع التاكيد على احترام المهل الدستورية ، قد نفد ازاء تصلب الاطراف السياسية على مواقفها دون تغيير . وقد يكون تدويل الازمة العراقية او العودة الى مربع ماقبل الانتخابات عناصر واردة في معادلة التعاطي مع الازمة ، وهو مايتوافق مع ارادات سياسية داخلية وخارجية تجد مصلحتها في اعادة رسم ملامح الخارطة السياسية بما يبقي على نفوذها في السلطة ، وقد تنفتح المفاوضات والحوارات في الوقت القصير  المتبقي على  حلول  توافقية  تجنب الجميع سيناريوهات اكثر سوءا … قد وقد وقد … الا ان المؤكد ، في كل الاحوال ، ان الازمة العراقية هي ازمة اخلاقية اكثر منها سياسية ، وهي ستمتد ، حتما ، الى مابعد تشكيل الحكومة .

   Hadi_whali@yahoo.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق

*