إلى كل كاتب ومفكر ونائب عراقي حر

الدكتور طالب الرماحي

جميل أن يتألم أحدنا وهو يرى عواصفاً من السلبيات تجتاح عراقنا الحبيب ، وتأخذ بلا رحمة في فتائلها الأرواح والممتلكات ، وجميل أن يشعر البعض بالحزن والامتعاض وهو يرى حكومة فاشلة تتعامل مع واقعنا المعقد بعفوية وجهل مطبقين ، فيبادر قلمه من وحي الحرص على مصالح الأمة والوطن في سيل من النقد ، فممارسة النقد أعظم وسيلة اكتشفها الإنسان للبناء ، كما قال الكاتب الاسكتلندي ( كانت ) . ولذا فإن ممارستنا للنقد ووضع الأصابع على جروحنا التي اصبحت لا تعد هي ظاهرة جيدة ، ولعل من مؤشراتها أننا أمة بدأت تستشعر بعض آلام الأخطاء التي يقترفها بحقها الآخرون .

لكن هل يكفي أن نسوّد صفحات الصحف ومواقع الأنترنت بآلاف المقالات لكي نحقق الهدف الذي نسعى إليه ، وهل يكون في وسعنا – من خلال ما نكتب – أن نصلح ما أفسده الآخرون ؟ فها نحن تجاوزنا عقد من الزمن على سقوط النظام السابق ، لكننا لم نفلح في أن نخلق حياة جديدة مستقرة بعيدة عن رائحة الدم والبارود ، خالية من الفساد والمفسدين ، إذن ماذا كنا نفعل نحن المخلصون الذين ما فتئنا نقرع بطبول النقد ونهتف في آذان المسؤولين الفاشلين أو السارقين أو التافهين ، ومع ذلك فما زال كل أؤلئك جاثمين على صدر الوطن ماسكين بضرعه يشفطون بخيراته غير آبهين بما نكتب أو نهتف . أما نحن فلم نزل مهمشين مطرودين محاربين لانملك في معركتنا مع الفساد وأهله غير القلم ، أو الجلوس ساعات طويلة أمام الشاشة الصغيرة ، نبحث فيها عن أخبار تزيد من كآبتنا وتعمّق من مشاعر اليأس في دواخلنا .

نحن أيها الأخوة الكتاب والمفكرون ، لو بقينا على ما نحن عليه فسوف لن يتغير واقعنا المرير أبدا ، لأن القابعين على صدر الوطن ، أكثر منا دهاءً ونشاطا وطموحا ، يجمعهم أكثر من هدف ، ويقوي جبهتهم الحرص على ما استحوذوا عليه من مكاسب دنيوية وامتيازات ، سوف لن يفرط أحدهم بها ، وقد تلذذ في حلاوتها واستمرأ طعمها ، أنهم سوف يقاتلون من أجلها ، وقد يشعر البعض منهم أنه قد يفضل الموت على أن يتخلى عنها ، ولذا فإنهم سوف لن يترجلوا عن أكتاف الوطن ، وأن عراقكم سوف يبقى ينوء بثقل غبائهم وجشعهم ، حتى تستيقظوا من سباتكم وتنهضوا من رقدتكم .

نحن أيها الأخوة ، ما زلنا لم نحسن صنعا ، يستخف بعضنا ببعض ، لايعرف بعضنا الآخر إلا من خلال ما نقرأه من كتابات في المواقع أو الصحف ، غير مستعدين أن نلتقي بل يكره بعضنا أن يتكلم مع صاحبه ، لانريد أن نتجاوز في اساليبنا المزعومة لإنقاذ الوطن أكثر من صرخة عابرة في مقال أو حديث تتصدق به علينا بعض الفضائيات . نحن لا نختلف عمَّن سرقوا الوطن بجشعهم وطمعهم ، فهم يسرقون ونحن ننظر إليهم فرادى ، وفي كل يد واحد منا قلم وورقة ، لا نفكر بأكثر من ذلك ، فهم مجرمون يصرون على قضم حقوق فقرائنا ، ونحن عاجزون عن إيقافهم ، في زمن امتلكنا فيها الحرية والحركة ، الشعوب الحرة الأخرى تصرفت بغير ما نحن عليه ، إن مثقفيها ومخلصيها شكلوا الجمعيات والمنتديات ، وراحوا يبحثون عن أكثر من أسلوب لإنقاذ الوطن مع القلم والقرطاس ، خرجوا إلى الشوارع وهتفوا حتى تمزقت حناجرهم ، فكان في ذلك فزع للحكام الفاسدين . ارجعوا إلى التاريخ فسوف تجدون رجال قلائل استطاعوا أن يقلبوا موازين الأمم ، فاقرأوا روسو وكانت وديفيد هيوم وغيرهم ، بادروا وتعاملوا بصدق مع الفساد ومصادر الخراب ، فهزموا أعداءهم ومهدوا لتغييرات وثورات اجتماعية كبيرة ، أمةٌ أيها الكتاب الأعزاء لاتمتلك مبادرين أمة خائبة ، وها نحن نعيش هذه الخيبة ، لأن معركتنا مع الفساد والفاشلين وعباد الدنيا ، يغيب عنها المبادرون والشجعان والأبطال .

لا يكفي أيها الأحبة أن يمتلك أحدنا عمودا في صحيفة ، يطل من خلالها على واقعنا الرديء في كل يوم بأسطر سرعان ما تتلاشى كفقاعات لعب الأطفال ، ويظن أن فيها كل الفتح ، إن ذلك العمود مصدر للسخرية من قبل الوالغين في دمائنا والناهبين لأموالنا والجاثمين على صدورنا ، اخرجوا أيها الأحبة من قماقم نفوس ضيقة وعقول تحددها مشاعر الإنانية والغرور .

نحن بحاجة إلى أن نكون قريبي من بعضنا ، كي يتسنى لنا التفكير في ما يحيق بنا من كوارث ، علينا أيها الأخوة أن نلملم شتاتنا بأي طريقة كانت ، ولا أعتقد أن ذلك مستحيل ولا صعب مع توافر وسائل الإتصال الحديثة ، علينا أن نشكل ( لوبي ) في الداخل والخارج ، في القصبات والمدن و البلدان ، في أي مكان نتواجد فيه ، يجب أن يكون لنا صوت مسموع وحركة دائبة ومشاريع على الأرض ونظريات ومتبنيات مادية وفكرية ، هي لبنات سوف تشكل تدريجيا صرح الحل المنشود ، تشكل شيئا فشيئا جبهة تلتمع فيها أسنة الرماح وهدير صهيل الخيول التي وحدها تدخل الخوف والرعب في صدور المفسدين والفاشلين والفارغين ، وعندها فقط سوف تشهدون كيف ينسحب عبَّاد الدنيا من المعركة ، وعندها فقط يكون في وسعكم أن تجدوا مكانا تمارسون فيه دوركم في البناء والإصلاح وقيادة شعبكم الذي أنهكته قيادة الفاشلين وضيعت عليه كل فرص الحياة الكريمة .

بادروا أيها الأحبة ومن أماكن تواجدكم إلى الاتصال بمن تعرفونهم من إخوتكم المخلصين الذين يمتلكون وعيا وكفاءة وصدقا وإخلاصا لإنقاذ عراقكم المظلوم ، أكفروا بأمسكم المظلم وسجلوا اسماءكم في قائمة الأبطال المبادرين ، كي تفسحوا لشمس الإصلاح أن تعلوا في سماء العراق الذي أنهكه الظلام . فالإصلاح ولا غير الإصلاح ، يمكن من خلاله أن نغير واقعنا القاتل القاتم المخيف ، لكن ، من أجل ذلك علينا أن نمتلك شجاعة وصبرا وإقداما ليكتبنا التاريخ من المصلحين ، فالحسين لو لم يخرج مبادرا لخوض تلك المعركة التاريخية لم ينتصر ، ولم يخلد ولم يحقق فتحاً كبيرا ، أو تعلمون أيها الأحبة أن عنوان ثورة الحسين وشعارها كان الإصلاح ، لقد قالها مدوية وهو يحث السير نحو كربلاء : خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي . فهل لنا أن نخرج لطلب الإصلاح في شعب مظلوم تقاسمت خيراته ودماءه جبهتان ، جبهة الجهل وقلة الوعي وجبهة الانتهازيين والوصوليين .

يا أيها الكتاب الشرفاء ، كل مقومات النصر تتوفر لديكم ، لكن ينقصها الشجاعة والمبادرة وطريق نلتقي عليه جميعا لنهتف فوقه سويا باسم الوطن ، ولنشير جميعا وليس فرادى بأصابعنا نحو من استغفل الأمة واستباح خيراتها وقدراتها ، ولنهتف جميعا وليس فرادى نشيد الثورة والرفض ، وكفى صمتا وجبنا وترددا .

ولا أريد أن ابخس بعض الحقوق ، فهناك من يشارككم الرأي أو الحزن على ما يحصل ، من البرلمانيين أو المسؤولين ، لكن الذي يثير العجب ويثير السخرية بل وحتى الفزع ، أنهم يعيشون الحالة نفسها التي يعيشها الكتاب والمثقفون ، فهم يظنون أن دورهم في أنقاذ الأمة لا يتعدى الزعيق من خلال الفضائيات وعرض وثائق الفساد ، والتبجح أمام الغير في أنهم قد تصدوا دفة الإصلاح وتقدموا على غيرهم في محاولات إنقاذ الأمة من هيمنة الفساد والسراق أو الفاشلين ، كلا أيها النواب أنكم واهمون ، فليس في وسعكم ولا في وسع حناجركم ولا وثائقكم أن تغير من الواقع شيئا ، وها أنتم قد دخلتم سنتكم العاشرة ، ولم تسوقوا سارقا للقضاء ، أو تحيلوا بين اشلائنا وعبوات الإرهاب ، بل أنكم عجزتم من أن تشيروا ببنان ( أحمر ) صوب من ينهب ألمال العام أو يسفك دمائنا بفشله وخيبته ، لقد بقيتم كل سنواتكم تدورون كالناعور في دائرة التهم ، وما زال السارق والفاشل يضحك عليكم بملء أشداقه ، وسوف تبقون على ما أنتم عليه ، طالما بقيتم بعيدون عن الأمة وعن إخوانكم الكتاب والمثقفين والمخلصين .

أنفروا أيها النواب الشرفاء والمسؤولون الكرام في كل ربوع عراقنا ( المختطف ) إلى فضاء آخر أكثر أثراً على واقعنا الذي يزداد سوءا ، شكلوا مع كل المخلصين جبهة للخلاص ، وهشموا في دواخلكم مشاعر الغرور ، والتقوا مع الآخرين على مائدة الإصلاح والمجد وإنقاذ الشعب الذي تساءلون عنه غدا بلا ريب . لا ينتظر أحدكم أن تُطرقَ بابه لينظم إلى دائرة المجد ، سارع أنت بنفسك لكسب الأجر واطرق أبواب الآخرين ، لنسارع جميعا إلى بعضنا ، فما عاد في الوقت متسع ، وكيف ثمة متسع وقد أصبحت دماؤنا أهون من ماء الرافدين ، وكراماتنا تستباح على الطرق أمام كل عين .

إن كنت تعتقد أنك مهمش … شارك

وإن أحببت أن يُسمع صوتك … شارك

أو أن تلتحق بمن يحملون همَّك … شارك

وإذا أردت أن تلتحق بركب المصلحين … شارك

للإتصال: admin@thenewiraq.com 009647801521868/009647807710196

3 Responses to “إلى كل كاتب ومفكر ونائب عراقي حر”

  1. تحياتي لكم الدكتور طالب الرماحي المحترم …. نعلن عن تضامننا التام مع ندائكم من اجل لم شمل حملة القلم ورافعي راية الثقافة والادب من اجل عراق حر وشعب امن مرفه سعيد ….. جرس الانذار يدق باعلى صوته معلنا خطورة الوضع الراهن ممايستوجب نبذ التردد والانانية من اجل توحيد الصفوف لتكون فاعلة في اتخاذ القرار والعمل الفاعل على ارض الواقع …. تحياتي ثانية مع التقدير حميد الحريزي اديب وصحفي العراق

  2. مدرس says:

    جميل هذا النداء ولكن كما تعلمون وكما اشرتم ان المجتمعات تغيرها القلة الفاعلة اي النخبة ، اين النخبة العراقية انها مغيبة في الداخل ومصادرة، محبطة في الخارج. ماكتبته نعيشه الما بكل تفاصيله ومنا من دب به الياس وانصرف ال استهلاك يومياته في العمل للبقاء عل قيد الامل ، باختصار نفتقد المبادرة والمبادرين ومن لهم نفس الدوافع التي يمتلكها الشفاطون والمفسدون كما اشرت . نحن النخبة مشكلتنا مشابهة لازمة الوطن نقبع في بلدان بعيدة عن الوطن حفظا للكرامة والنأي بانفسنا عن الخراب والفساد وسيطرة الجهلة ، نحن بحاجة لمن يبادر ان ينسج مبادرته بلون الامنا لكي نستجيب له والا دعونا نعيش ونموت بسلام بعيدا عن وطن يكره ويشرد ابناءه المخلصين ويتبنئ الفاسدين منهم والجهلة الاكثر دهاءا وفتكا وشفطا مع تحياتي / مدرس برمجيات جامعة نورث داكوتا

  3. د. ناهدة التميمي
    صرخة من قلب مخلص تلك هي دعوتك دكتور طالب الرماحي
    لكل مثقف ولحملة القلم ان يرفعوا راية الوقوف بوجه الانهيار بكل اشكاله في بلدنا الحبيب الذي تناهبته قوى الظلام والدجل والفساد والفرهود والانانية وتضخم الكروش والارصدة من مال الايتام والارامل والمغمس بدموع المعوزين والمستجدين والمعاقين من عمليات الارهاب التي لونت ارصفة الوطن بلون الدم والخراب
    ولكن المشكلة كما قال الاستاذ الحلفي .. اين هم المثقفون ليتجمعوا ويصرخوا عاليا بوجه كل هذا الخراب والفساد .. هم اما محاصرون داخل الوطن وخائفون من الموت اليومي والمجاني واما مشردون في اصقاع الارض محبطون لايستطيعون الاتصال ببعضهم لظروف العيش القاسية في الغرب وغلاء التنقلات
    كيف يمكن ان يتجمعوا ويغيروا .. روسو كان في وسط المعمعة عندما استطاع ان يحشد الراي العام ويصل الى التغيير ولم تكن هنالك قاعدة ارهابية تتربص به ولا مفخخة تحصد روحه مع الالاف بلمح البصر ,ولم يكن يعيش في الغرب البعيد ومدنه القصية المعتمة, مثخن بجراح الوطن البعيد
    تحية لدعوتك الصادقة وحرقتك على الوطن النابعة من وطنية صادقة وحقة وخوف على مصيره لانه اضحى بيد الجهلة والسراق والمفسدين والقتلة ومن لاضمير له

أضف تعليق

*